الشيخ مصطفى عبد الرازق مسافرًا ومقيمًا

كتب
الشيخ مصطفى عبد الرزاق

المقدمة

بعد أن نشرتُ "مذكرات مسافر" للشيخ مصطفى عبد الرازق في سلسلةِ "ارتياد الآفاق" التي تصدرها دار السويدي، تلقيت بسعادة ردود فعل كثيرة على ذلك الكتاب الشيق، وكان صدى الانتشار الذي تحقق وراء محاولات جديدة مني لكي أبحث عن تراث الشيخ الجليل، وأن أعيد تقديمه للقاريء العربي، لأنه يحمل بين سطوره دعوات النهضة التي نفتقد إليها اليوم، حيث نغرق كل يوم في طوفان من عبارات التأسي على زمن جميل، والندم على مكانة راحت، والحزن على شمس غربت أو في طريقها للغروب! وقد رأيت أن كلمات عبد الرازق ـ مع كلمات مجايليه من رواد النهضة ـ ستكون مثل بلسم شاف، ووصفة لها فعل السحر في النفوس التي تروم للتقدم.

ولعلَّ الصدفة وحدها كانتْ أولَ خيطٍ قادني لقراءةِ أوراق هذه الرحلةِ المهمةِ. وهي صفحاتٌ منسية، رغم أن مسطرَّها من الأعلام النادرين في تاريخ النهضة المعاصرة، لما بلغه من مكانة، وما تركه من أثر. وفي أوراق هذه الرحلة من شذرات التنوير ما يجعلها أكثر معاصرة مما يكتبه دعاة التنوير اليوم، وفيها من الدعوة للحوار مع الآخر وفهمه، ما يكاد يكون صدى لما يحدث الآن.

وكنتُ قد عثرتُ على مقالةٍ أولى للشيخ مصطفى عبد الرازق في مجلة "مجلتي" التي أصدرها قبل نحو سبعين عامًا الأديب أحمد الصاوي محمد. كانت "مجلتي" ـ التي صدر عددها الأول في ديسمبر 1934 ميلادية، وكما يقول أحمد الصاوي محمد في أحد إعلاناتها ـ جسرًا بين الشرقِ والغربِ، وهو جسرٌ لم يُخفِ عشق مؤسسها وصاحبها ومحررها لباريس على وجه خاص، حتى أنه جمع ما نشره في "مجلتي" حول هذه المدينة في كتاب ضخم أسماه "باريس".

كانت تلك المقالة الأولى، التي قرأتها للشيخ مصطفى عبد الرازق، قصيرة في صفحاتها، ممتدة في أثرها، وتحمل عنوان "بين البَرِّ والبحر" وفيها يقص علينا الشيخ رحلته بالسفينة إلى مدينة مرسيليا وزيارته لكنيستها الشهيرة "نوتردام دو لاجارد"، ليدعونا ـ من هناك ـ للتأمل في جمال الدين، أيِّ دين، رافضا مذهب الغلو، حيث يقول: إنما يشوه الدينَ أولئك الذين يريدُونه كَيْدًا وتضليلا، وقيدًا للعقول والقلوب ثقيلا. وكان تاريخ نشر هذا الجزء من الرحلة في الأول من يناير لعام 1937 ميلادية.

وهكذا بدأتُ التنقيب عن باقي فصول هذه الرحلة، لأكتشفَ أن ما ينشره الصاوي مستعادٌ، وقد سبقته إلى نشره منجَّمًا جريدة "السياسة" المصرية بين يوم الخميس 31 يوليو 1924 ميلادية "الموافق 28 ذي الحجة 1342 هجرية" إلى يوم الجمعة 10 سبتمبر 1926 ميلادية "الموافق 3 ربيع الأول 1345 هجرية". ثم أعثر على مصدر ثالث للرحلة في كتاب "من آثار مصطفى عبد الرازق ـ صفحات من سفر الحياة ومذكرات مسافر ومذكرات مقيم وآثار أخرى في الأدب والإصلاح" وجمع شقيقه الشيخ علي عبد الرازق بين غلافيه هذه الأوراق وسواها وصدَّره بنبذة عن تاريخ حياة الشيخ مصطفى عبد الرازق، وجعل مقدمة الكتاب الصادر في 1957 ميلادية عن دار المعارف بالقاهرة لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.
المؤلف

دَرَسَ الشيخ مصطفى عبد الرازق في الأزهر الشريف، وكان اجتهاده ونبوغه وراء نجاحه في امتحان العالمية في 25 يولية من العام 1908 ميلادية ونيله الدرجة الأولى، وهي أرقى درجات العالمية الأزهرية في تلك الأيام. وقبل أن يمضي شهر واحد على نجاحه انتدب في 11 أغسطس من العام نفسه للتدريس  في مدرسة القضاء الشرعي، حتى استقال منها في السادس عشر من مارس 1909 ميلادية، وكان عمره آنذاك 24 عامًا، إذا أخذنا عام مولده 1885 ميلادية المذكور في ترجمة شقيقه لسيرته الذاتية مأخذ اليقين.

كما درس الشيخ مصطفى عبد الرازق على يد الإمام محمد عبده، واستفاد من منهجه في الانفتاح على أفكار الأمم الأخرى، وهو ما يتبدى بشكل جلي في أوراق رحلته "مذكرات مسافر". فلم يكن منهجه بالضيق التقليدي الذي يتمسك به الأزهر في هذه الفترة، ولذلك يعدان، الإمام محمد عبده والشيخ مصطفى عبد الرازق، مثالين للانفتاح على الفكر الغربي، وكلاهما يمثل في الوقت الاهتمام بالفكر العربي وتراثه، كما أنهما معا يهتمان بالفلسفة. ونعلم أن للشيخ مصطفى عبد الرازق مدرسته في الفلسفة الإسلامية وفيها قدم كتابه فيلسوف العرب والمعلم الثاني، الذي يتناول فيلسوف العرب: الكندي، والمعلم الثاني: الفارابي، والشاعر الحكيم: المتنبي، وبطليموس العرب: ابن الهيثم، وشيخ الإسلام: ابن تيمية. ورغم صغر حجم هذا الكتاب إلا أنه نموذج على تمكن شيخنا من منهجه.

ويذكر الشيخ علي عبد الرازق أنه على أثر استقالة شقيقه من مدرسة القضاء، وتفاقم الفتنة في الأزهر، وكثرة الاضطراب والارجاف، نشأ التفكير في أن يسافر مصطفى إلى فرنسا لدراسة اللغة الفرنسية وبعض العلوم هناك. واتفق أخوته على أن يسافر إلى باريس ليقيم فيها سنة كاملة ليتعلم اللغة ويحضر بعض دروس الفلسفة في السوربون.

وفي يوم الثلاثاء 22 يونية 1909 ميلادية يسافر الشيخ مصطفى عبد الرازق من مدينة القاهرة إلى ميناء بورسعيد. وفي الصباح الباكر من اليوم التالي تبحر به السفينة متجهة إلى مرسيليا ليأخذ القطار منها إلى باريس، وكان يرافقه على متن هذه السفينة الأستاذ أحمد لطفي السيد، رئيس تحرير "الجريدة" لسان حزب الأمة آنذاك. وقد قضى الشيخ مصطفى عبد الرازق في هذه الرحلة الأولى إلى فرنسا ثلاثة سنوات متتابعات فلم يعد إلى مصر إلا في شهر يولية سنة 1912 ميلادية.

كانت عودة الشيخ إلى مصر لشهور قليلة، وما لبث أن شد الرحال مرة أخرى إلى باريس. ونحن نقرأ عن هاتين الرحلتين في أكثر من موضع، حيث يكتب صديقه الأثير الأديب محمد كرد علي: سَافرَ "الشيخ مصطفى عبد الرازق" إلى باريس في 1909 ميلادية، فتعلم الفرنسية وحضر دروس الأستاذ دركهايم في الاجتماع، ودروسًا في الآداب وتاريخها. وفي سنة 1911 ميلادية تحول إلى مدينة ليون ليشتغل مع الأستاذ إدوارد لامبير في دراسة أصول الشريعة الإسلامية وحضر في جامعة ليون دروس الأستاذ جوبلو في تاريخ الفلسفة ودروسًا في تاريخ الأدب الفرنسي، وتولى تدريس اللغة العربية في كلية ليون مكان مدرسها الذي كان قد ندب للتدريس في الجامعة المصرية.

أما ملف خدمة الشيخ مصطفى عبد الرازق في الحكومة المصرية فجاء فيه ما نصه: كُلِّفَ "الشيخ مصطفى عبد الرازق" أثناء إقامته بمدينة ليون بالتدريس بدلا من جناب الأستاذ فييت الذي كان منتدبًا للتدريس بالجامعة المصرية القديمة، وقد أعد رسالة للتقدم بها لامتحان الدكتوراه في الآداب، موضوعها الإمام الشافعي أكبر مشرعي الإسلام. وقد أخرج بالاشتراك مع المسيو برنار ميشيل ترجمة دقيقة بالفرنسية لكتاب الشيخ محمد عبده موضوعه العقيدة الإسلامية.

ويؤكد الشيخ علي عبد الرازق أن شقيقه الشيخ مصطفى قد شرع خلال إقامته بفرنسا في كتابة مذكرات يومية، وبذل في كتابتها عناية غير قليلة. وما نشره الشيخ مصطفى عبد الرازق ليس سوى شذرات، ويبقى جل هذه اليوميات في جعبة أسرته، ولا شك أن الكشف عنها ذات يوم سيضيء مراحل ومحطات كثيرة من الحياة الفكرية في مصر وفرنسا.

كان الشيخ مصطفى عبد الرازق حين عاد لفترة قصيرة من فرنسا عام 1912 ميلادية قد وجد أمه على فراش الرحيل للدار الآخرة. وبعد وفاتها، تداول الأخوة في أمر سفر الشيخ مصطفى مرة أخرى، واستقر الرأي على سفره إلى فرنسا، وسفر شقيقه علي إلى إنجلترا، كما كان والدهما الراحل يوصيهما. وفي مساء يوم الاثنين السابع من شهر أكتوبر 1912 أبحرت بهما الباخرة من بورسعيد إلى مرسيليا فوصلاها في صباح السبت 12 أكتوبر و منها انطلقا صباح يوم الاثنين 14 أكتوبر إلى ليون، حتى غادراها في السابع عشر من أكتوبر إلى باريس. وفي العاصمة الفرنسية يظلان معا حتى 24 أكتوبر، حيث يترك الشيخ علي شقيقه مصطفى، منطلقا إلى لندن. ولم يكن بين المسافرَين من اتصال إلا عبر المكاتبات، وزيارة وحيدة لعلي إلى باريس أقام فيها الشقيقان معا بين الرابع من أغسطس والحادي والعشرين منه عام 1913 ميلادية.

وحين مرض الشيخ مصطفى عبد الرازق مرضا شديدا خاطب شقيقه المقيم بلندن برسالة في 19 فبراير 1914 ميلادية. وكان أن تسلم الشيخ علي عبد الرازق برقية أخرى من مصر يطلب إليه أن يلزم الشيخ مصطفى عبد الرازق الرجوع لمصر. فغادر أكسفورد إلى باريس مساء 26 فبراير، ليصل إلى المستشفى التي يقيم فيها الشيخ مصطفى عبد الرازق، حيث اطمئن عليه. كان الشيخ المريض يجد راحته هناك، وهي الراحة التي أرقها قيام الحرب العالمية الأولى في يولية 1914 ميلادية وكان لا يزال في المستشفى. ويلح المصريون على أقاربهم في أوربا ليفروا إلى مصر قبل أن تنقطع بهم السبل، ويستطيع الشيخ مصطفى عبد الرازق أن يجد له محلا في سفينة حملته إلى بر مصر قبل أن ينتهي عام 1914 ميلادية.

وهكذا نحن في هذه الرحلة أمام سطور عمرها أكثر من تسعين عامًا، وكاتبها هو أحد علامة القرن العشرين في مصر، وقد تبوأ فيها من المكانة ما يستحق، فكان سكرتير مجلس الأزهر الأعلى "1915" ومفتشا بالمحاكم الشرعية "1920" ومشاركا في ترجمة كتابين أحدهما رسالة التوحيد لأستاذه الإمام محمد عبده إلى الفرنسية "1925". كما كان عضوا بمجلس إدارة دار الكتب المصرية، وأستاذا للفلسفة بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول بالقاهرة "1928" وحصل على درجة البكوية "1937" والباشوية "1941" وكان وزيرا للأوقاف خمس مرات "بين سنوات 1938  و 1942" وشيخا للأزهر "1945" ورئيس الجمعية الخيرية الإسلامية "1946" وأميرا للحج "1946".

صباح يوم 15 فبراير سنة 1947 ذهب الشيخ مصطفى عبد الرازق لإدارة شئون الأزهر كعادته، فيترأس جلسة المجلس الأعلى له إلى ما قبل صلاة العصر. يعود إلى منزله فيتناول الغداء وينام القيلولة، ثم يستيقظ فيتوضأ ويصلي، ويأخذ يلبس ثيابه فيشعر بإعياء وهبوط، فيأوي إلى فراشه ويدعى الطبيب من قريب لإسعافه فيحضر، ولكن قضاء الله وقدره كان قد نفذ.

تهيئة

من قبيل التهيئة لقراءة نص هذه الورقة لنا أن نذكِّر بأن أدبَ الرحلةِ ـ على عمومه ـ يقوم على قراءةِ الذات من خلال اكتشاف الآخر، واكتشاف الذات من خلال قراءة الآخر. وأن مرجعية الكاتب الرحالة ـ وحدها ـ هي التي تخط سطور رحلته.

فالنص المرئي للرحلة المدونة يُسرب إلينا صورة الآخر بلغة الذات؛ تلك اللغة التي تُكتَب محملة بإرث ثقافي، ولغوي، ويعز على كاتبها أن يتجرَّدَ منه، بل وعلى العكس، نراه يحول ما يراهُ إلى قالب لغوي، حتى تكاد الأماكن التي يراها تنطق بلغته، مثلما تتنفس وتعيش.

وإن ذلك ليحدث، من قبل الرَّحالة الكاتب، ليس فقط في الأسماء التي يحولها، ويعرِّبها، ويبتكر لها نطقا مغايرا، غير مكتفٍ بنطقها كما ترد هي في لغتها، بل في الحالات التي يندر أن يتوقف عندها دون أن يستحضر المقارنة بين ما وجده هنا وهناك وما عاشه في المكان الذي ينتمي إليه، وخارجه، سواء كان ذلك مقصد علم، أو مهجر عيش، أو منفى نفس.

ويدون الكاتب الرحالة يوميات سفرته ولياليها، عالمًا بأن قارئه في الوطن، لذلك يبدو لنا الأمر جليا عندما نقرأ خطابه موجه إلى هذا القارئ الخفي والحاضر في آن واحد. ولعلي أكاد أجزم بأن الكاتب  ذلك أو سواه، لو كان له أن يكتب بلغة غير لغته الأم، وأن يوجه خطابه إلى قارئ غير مواطنه، لكان لدينا تراث مغاير، وما تحولت نصوص كثيرة في أدب الرحلات العربي إلى مواعظ مستنكر ودروس مستنفر وحسب.

ولذلك فإن اختيار هذه الرحلة له سببه الرئيسي أنها نجت بنفسها من فخ الموعظة، واجتازته إلى فضاء نقد الذات، في مرآة الآخر. وأنها ـ في مرآة أدب الرحلة ـ قطعة أدبية رفيعة، لصاحبها تجربة في الشعر، مثلما هي وثيقة تاريخية نادرة، لأن كاتبها كان شيخا للأزهر، وأن هذا المنصب لم يكن عائقا له عن حرية التفكير، وتحرر التدوين.

رحلات باريسية : لم تكن رحلة الشيخ مصطفى عبد الرازق "التي بدأت في شهر يونية 1909 ميلادية" بداية تدوين السفر إلى باريس، ولا آخرها. فقد عرفت هذه المدينة الكوزموبوليتانية حجا عربيا متواصلا، وقع في غرامها أصحابه، ولهم عنها أسفار كثيرة، منها ما نشر في حينه، ومنها ما يعاد اكتشافه بين حين وآخر.

فباريس 1826 ميلادية لدى الشيخ الأزهري رفاعة الطهطاوي "1801 – 1873 ميلادية" "منبع العلوم والفنون والصنائع"، وهي أيضا لديه "من أحكم سائر بلاد الدنيا وديار العلوم البرانية، وأثينة الفرنساوية". وباريس  1844 ميلادية لدى علي مبارك "1823 – 1893 ميلادية" أحسن مدن الدنيا وأعظمها لحسن نظامها وكثرة ما فيها من المباني اللطيفة والأشياء الظريفة. وباريس 1850 ميلادية لدى فارس الشدياق "1805 – 1887 ميلادية" هي"نعيم النساء ومطهر الرجال وجحيم الخيل".  وباريس 1870 ميلادية لدى فرنسيس مراش "1836 – 1874 ميلادية" هي"عروسة لجميع المدن المسكونة وشمسا يدور حولها فلك العالم البشري وهكذا فهي مدينة لا حد لمدنياتها ولا قرار لعظماتها". أما باريس 1883 عند الكاتب محمد المويلحي "1858 - 1930  ميلادية" فهي "المدينة الفاضلة، أم المدينة الكاملة، مهبط العمران والحضارة ومظهر الزينة والنضارة، وموطن العز والمجد، ومصدر النحس والسعد، بل هي عندهم إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد".   وباريس 1890  ميلادية لدى أحمد شوقي "1868 – 1932 ميلادية" هي"مدينة النور" و"سماء وحي الشعر". وباريس 1893 ميلادية لدى توفيق البكري "1870 – 1932 ميلادية" هي"أرض أريضة، وبلاد عريضة، وجنة وحرير وملك كبير".  وباريس 1900 ميلادية لدى أحمد زكي باشا "1867 – 1934 ميلادية" هي"تحفة الدنيا، ونزهة العالم، وزهرة الكون. هذه باريس، جنة الجنائن ومدينة المدائن وعاصمة العواصم". أما باريس 1909 ميلادية لدى صاحبَ رحلتنا؛ الشيخ مصطفى عبد الرازق "1885 – 1947 ميلادية" فهي "عاصمة الدنيا، ولو أن للآخرة عاصمة لكانت باريس! وهل غير باريس للحور والولدان والجنات والنيران، والصراط والميزان، والفجار والصالحين، والملائكة والشياطين؟!" ولعلنا نقف عند هذا التاريخ دون أن يكون ذلك إهمالا لما جاء قبله ولم نذكره، أو نسيانا لمن جاء بعدهم ولم نوثقه. "يراجع الببليوجرافيا في هامش هذه الورقة"

ومثل حال أهل الأدب كان مذهب أهل الفن، ولم لا والمدينة قبلته؟! فقد كانت باريس أكثر من مجرد عاصمة فرنسية، وخرج فنانوها من الاستوديوهات المغلقة إلى الفضاء المفتوح، ومن الأضواء الصناعية أو تلك التي تتسلل خائفة من زجاج النوافذ إلى الأنوار التي سكبتها الشمس في الحقول والمروج. بل وحررت باريس ـ لغير رجعة ـ شخصيات اللوحة من الإطار الديني الكنسي الساكن لتقدم راقصات الباليه، ونزلاء علب الليل، وجلوس المقاهي، ولاعبات السيرك وزائري الحدائق. وهي الموضوعات التي حررت بدورها باليته الألوان مما هو أكاديمي محفوظ إلى ما عرفناه فرديا وفريدا. ولم يكن الرسام الباريسي ـ مقيما أو زائرا ـ ينجو مما تثيره  الأجواء الباريسية حوله؛ مؤلفات وبيانات وحركات نقد وثورة ومعارض فن وصالونات أدب ومتاحف كثيرة وسينما واعدة،  حيث استطاع  الفن أن يحرق معطف السطوة الدينية، ويمزق خيمة الحكام، ويهرب من أسوار الشهادات الأكاديمية، ويلقى بنفسه خارج القصور، هابطا من جنان عصور النهضة، إلى جنون العصور الحديثة. 

ويقول الدكتور إحسان عباس عن رؤية زائري باريس لشخصيتها أنها تكاد تتكرر، "مع فروق بسيطة بين رؤية زائر وآخر، وهذا يرجع إلى أن أكثر هؤلاء الزائرين كانوا يحملون في نفوسهم [عقد نقص] تجاه الحضارة الأوربية و[عقدة استعلاء] تجاه من وراءهم من جماهير لم تنل حظا من ثقافة قديمة أو حديثة. لهذا جنحوا في الأغلب إلى رؤية باريس بإسقاط صورة الجنة عليها، لأن الجنة هي المثل الأعلى لما تحاول الحضارة الراقية أن تبلغه، وإذا وجدوا في باريس شيئا لا حاجة بالجنة إليه، استظلوا بالحديث الشريف، "فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر"] "باريس في الأدب العربي الحديث، ص8"

لكن هذا الإعجاب الفارط بالمدينة ـ لدى شيخنا ـ كان له ما يؤسسه، دون أن يكون لدى الشيخ ذلك الاستجداء لحضارة يجد عنده نقص منها. فهو يمتدح الطيب، شرقا أو غربًا، حضارة غربية أم مشرقية، لذلك حين  يلتقي بهندوسي على الباخرة التي تقله إلى مرسيليا يقول معلقا ـ وكان التناحر آنذاك مشتعلا بين المسلمين والهندوس حول عبادة البقر وتسخيرها في الهند ـ ومَنْ مبلغُ صاحبِنا عني أنني ـ على شأن العيش والملح ـ لا أهين البقر ولكنني لا أعبدُه. وبعد. فيا ليت المسلمين والهندوس لا يتناحرون من أجل حيوان معبود!

إذن نحن أمام كتابة معتدلة الفكر، حتى لو أن اللغة أبدت من صنوف تعابيرها واستعاراتها غير ذلك. وأمام عين تستبصر وراء ما ترى.

أحد الفصول : الجو مكهرب " "

الجو مكهرب - كما يقول سادتنا المجددون في اللغة - ولقد رأينا آثار الكهرباء ناراً تتلظى في القسم الخاص بوزارة المعارف من المعرض الزراعي.
وإنا لا ندري لم تكون الأسلاك الكهربائية في وزارة المعارف مختصة بسرعة الاحتكاك، وسرعة الالتهاب، وسرعة التدمير، فهي تلتهم خمسين ألف جنيه في ساعات معدودات.
سمعت جماعة يتحاورون في هذا السر، وهم ركوب في الترام.
قال قائل: ذلك انتقام الله لطلبة دار العلوم، المشردين في الشوارع. تتعقبهم الشرطة لتقصيهم عن معهدهم كلما دنوا منه، وليس لهم ذنب إلا أنهم قلدوا في ملابسهم أولي الأمر وأهل الحل والعقد.
فأطرق شيخ معمم إطراقة ثم قال: بل ذلك مصداق الآية الكريمة: "إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق".
قال ثالث: فما بال الحريق في قها، تلك القرية الوادعة المسكينة، التي ليس فيها إلا أوقاف خيرية، مرفوع بشأنها قضية، أمام المحكمة العليا الشرعية، وهي مؤجلة إلى أوائل مارس الآتي؟
كان مع بعض الجماعة جرائد المساء ينظر فيها، فلما سمع ذكر المحكمة العليا الشرعية، قرأ بصوت عالٍ يسمعه المجلس: إن تلك المحكمة قررت أن أول شعبان المعظم يوم الأحد. فنظرالناس إلى الهلال وهاجاً في كبد السماء، يكاد يكون بدراً، وابتسم بعضهم إلى بعض وخيل إليّ أن القمر يبتسم في أفقه معهم.
ثم احتكت أسلاك الترام، فتطاير شرر لم يكن له بحمد الله ضرام، وسكت القوم عن الكلام.
ألم أقل لك إن الجو مكهرب؟ وقد يكون من آيات كهربائيته هذه المؤتمرات التي يتحدث بها الناس. مؤتمر وطني، يريد أن يوطد دعائم الدستور حتى لا يزلزلها مزلزل.
ومؤتمر للخلافة يريد أن يبايع إماماً ينوب عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في إقامة الدين وسياسة الدنيا به.
ومؤتمر للقضاء الشرعي يريد للشيوخ وزارة في كيان الدولة، ويريد لهم نيابة شرعية إلى جانب النيابة الأهلية والنيابة المختلطة.
أما مؤتمر الخلافة فإن كتاب الشيخ بخيت المنتظر سوف يحل الله به الإشكال ويكفي المؤمنين القتال. ومن أجدر من الشيخ بأن يرفع عن الخلافة كل أسباب الخلاف، ويوفق بين جميع الأصناف. إن للشيخ بخيت سوابق في هذا المجال، تضرب بها الأمثال، وهو القائل:
إنا مع الأمُـَرا والوفد والوزرا
على اتحادٍ له في القلب تحديد
وفي رواية: له في القلب تأييد.
أما المؤتمر الوطني، مؤتمر الهيئات النيابية والأحزاب والنقابات، فهو مظهر من المظاهر التي تعرب بها الأمم عن إرادتها، في ساعات التاريخ العصيبة.
هو الشعب يريد أن يهتف بما في نفسه، وإذا صاح الشعب في الأرض ردد القدر صيحته في السماء.
هي مصر تريد أن تقول كلمتها، فلتخشع الأصوات، ولتقل مصر.

   
 

صدر عن دار عين للدراسات والنشر، القاهرة، 2005

سيرة ذاتية
دواوين شعرية
كتب
روايات
كتب الأطفال
ترجمات
فيديو
مدونة

 

 

تصميم واخراج بلال بصل \ تصميم الشعار موفق بصل \ جميع المواد المنشورة في هذا الموقع تعود حقوقها للمؤلف