محمود بيرم التونسي، عبث الشباب (تحت الطبع)

كتب
بيرم التونسي

ليست هذه السطور بتقديم للشاعر الكبير والساخر الأعظم محمود بيرم التونسي، فسيرة أديبنا تقدِّمُ له، وأعماله ـ الشعرية والنثرية ـ تمهِّد للغوص في إبداعه، وتنطق بإنفرادته. وإنما أردتُ أن أستعيد الإطار الذي صدرت أثناءه جريدة "الشباب" ضاحكة عابثة مازحة، قبل سبعين سنة.

كان ميلاد الشاعر، واسمه الأصلي محمود محمد مصطفى بيرم، في حي الأنفوشي بمدينة الإسكندرية في 3 مارس 1893م ، وكان والده تاجر حرير في السوق المغربية. وقد عاش طفولته في حي " السيالة "، والتحق بكُتّاب الشيخ جاد الله ، ثم كره الدراسة فيه لما عاناه من قسوة الشيخ، فأرسله والده إلى المعهد الديني وكان مقره مسجد أبي العباس، وحين مات والده  ـ وكان في الرابعة عشرة من عمره  ـ انقطع عن المعهد وارتد إلى دكان أبيه ولكنه خرج من هذه التجارة صفر اليدين.

ظهر نبوغ بيرم الأدبي مبكرًا، حتى أنه قد بلغ العشرين من العمر كان يكتب المقامات التي جدد بها فن بديع الزمان الهمذاني، ولكن بسخرية أكبر، ومرارة أكثر. وقد أصدر التونسي مجلة المسلة في عام 1919 م وبعد إغلاقها أصدر مجلة الخازوق ولم يكن حظها بأحسن من حظ المسلة. وقد نفي إلى تونس بسبب مقالة هاجم فيها زوج الأميرة (فوقية) ابنة الملك فؤاد، ولكنه لم يطق العيش في تونس فسافر إلى فرنسا ليعمل حمّالاً في ميناء (مرسيليا) لمدة سنتين. يعود التونسي إلى مصر بواسطة جواز سفر    مزوَّر، ويعود أيضا إلى أزجاله النارية التي ينتقد فيها فساد   السلطة واستبداد الاستعمار آنذاك، فيلقى عليه القبض مرة أخرى، وتنفيه السلطات إلى فرنسا. يعمل التونسي المنفي بشركة للصناعات الكيماوية ولكنه يُفصل من عمله بسبب مرض أصابه فيعيش حياة ضنكاً ويواجه أياماً قاسية ملؤها الجوع والتشرد، ورغم قسوة ظروف الحياة على بيرم إلا أنه استمر في كتابة أزجاله وهو بعيد عن أرض وطنه ، فقد كان يشعر بحال شعبه ومعاناته وفقره المدقع . وقد قضى فترة منفاه في باريس ومارسيليا وليون، وفي عام 1932 يتم ترحيل الشاعر من فرنسا إلى تونس لأن السلطات الفرنسية قامت بطرد الأجانب، وكان ذلك بين عامي 1932 و1937، فيذهب إلى سورية ليعود منها إلى بور سعيد،

فأخذ بيرم يتنقل بين لبنان وسوريا ولكن السلطات الفرنسية قررت إبعاده عن سوريا لتستريح من أزجاله الساخرة واللاذعة إلى إحدى الدول الأفريقية، وحين كان في طريق الإبعاد تقف الباخرة التي تُقلّه بميناء " بور سعيد" فيقص على أحد الركاب وهو باك حزين قصته، فيساعده هذا الشخص على النزول في مدينة بور سعيد، ليسرع لملاقاة أهله وأسرته.

يقدم التونسي التماسًا إلى القصر بواسطة أحدهم فيعفى عنه وذلك بعد أن تربع الملك فاروق على عرش مصر، ويعمل كاتباً في أخبار اليوم، ثم جريدة المصري، ومجلة روز اليوسف ومجلات ودوريات أخرى.

يحصل بيرم على الجنسية المصرية فيذهب للعمل في جريدة الجمهورية، ويفتتح في الإذاعة مجالا جديدًا للإبداع فيتابع المستمعون له (سيرة الظاهر بيبرس) و(عزيزة ويونس)، والفوازير. وفي سنة 1960  يمنحه الرئيس جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية لمشواره الأدبي الكبير، وما هي إلا شهور ويرحل التونسي متأثرًا بمرض الربو في 5 يناير 1961م

في كل بلد عاش فيه التونسي كانت أزجاله المشاكسة تشير إليه، وصوره النثرية تدل عليه، وأشعاره العامية تجتذب إليه قلوب العامة مثلما تؤلب عليه قلوب من هم في كراسي السلطة، فقد كان يسخر منهم بلا هوادة. وعبَّر التونسي عن طاقاته شعرًا ونثرًا، حتى أنه كتب الأغنية، والأوبريت الغنائي، والأزجال، والمقامات، والمقالات، وظل يكتب فوازير رمضان ـ التي ابتكرها للإذاعة المصرية ـ حتى قبيل وفاته في مدينة الإسكندرية بست ساعات. وتسلم جائزة الدولة في الفنون والآداب على فراش الرحيل.

فنون بيرم وآدابه

لم يدَعْ محمود بيرم التونسي بابًا للفن إلا وطرقه، فقدم المقامة الهزلية، مضيفا لمسته المتقنة إلى الفن الذي ابتكره الهمذاني. وإذا كان الأخير يقدِّمُ في مقاماته استعراضا لغويا وبيانيا، محشوًا بما استغرب من ألفاظ، وما استطرف من تراكيب، وما استحسن من أصباغ، دالا على روح العصر، محمِّلا شخصية بطله "أبو الفتح الإسكندراني"، ما يحتمل ومالا يحتمل، كأديب يتسول على أكثر من هيئة لينال ما يرضاه، ببديهته ولماحيته وحيلته واحتياله، فإن الهمذاني قد اجتذب لهذا الفن المقاماتي مقلدين، ومحتذين، حتى جاء من فاق الفئتين، وهو بيرم.

وقد زاد التونسي على فن المقامة ما ربطها بروح العصر، حتى أصبحت تلك المقامات هي المصدر الأساسي لما جاء بعدها، فأصبح متبعو فن كتابتها على قلتهم ينحون منحى التونسي الذي سكب في قالبها سجعًا محكمًا، وجناسًا بليغا، ومقابلات لا يأتي بها سوى معجمي بارع، ولم لا وهو عبقري الجيل، كما دعاه عباس محمود العقاد.

كما لم يقولب التونسي مقاماته تحت سماء بطل واحد، ولم يأسرها داخل سياج نمط بعينه، بل ابتدع مقامة تتبدل كلما تبدل الموضوع والبطل، فما أن تقرأ العنوان، حتى يأخذك دليلٌ لغوي بارع متمكن من لغته، عارف بأهله وناسه وبلده، ملمٌ بهموم الفقير، ومواجع الخفير قبل شواغل الوزير، كما يقول جامع مقاماته، الشاعر طاهر أبو فاشا. 

هكذا يتحدث في كل مقامة بطل جديد، يبعثه التونسي من مرقد الكلمات، فهو بعجر بن قحطان في المقامة الفنوغرافية، وعنجز بن خليجان في المقامة البيجامية، وجابر بن عيان في المقامة الرفاعية، وفي ما جاء به في (الشباب) سنجد الهاشم بن نطعان بطلا للمقامة الحازوقية، وهكذا. وإذا كانت بداية بيرم التونسي مع المقامات وهو في العشرينات من العمر، فقد أضاف في مقامات (الشباب) خبرة السنوات بين الوطن والمنفى.
وفن الصحيفة الهزلية ـ لدى التونسي ـ كان صورة من نبوغ الشاعر، لأنه أتاح له أن يكتب ويسخر، ويزجل فينهر، ويشعر فيفخر، وينثر فيهزر.

إذ أن بيرم بعد استقراره في منفاه ـ الوطن : تونس بأربع سنوات، وفي يوم الخميس 29 أكتوبر 1936، أصدر العدد الأول من جريدة "الشباب". كانت الجريدة بحجم التابلويد، يتصدرها الشعار بخط نسخ صاف وتحتها تصطفُ أربع كلمات تعبِّر عن مضمون المجلة "تصدرُ ضاحكة عابثةً مازحةً". وإلى اليسار الاسم بالحروف الفرنسية، وإلى اليمين : العدد الأول، ثمن النسخة 50 صانتيما، الاشتراكات ممنوعة، صاحب الجريدة المسئول محمود بيرم، نهج سيدي بوخريصان عدد 28. وقد ظلت أعداد "الشباب" تتابع، حتى صدر عددها الأخير في مارس سنة 1937.

في سطور افتتاحيته بالعدد الأول من المجلة التي صدرت أعدادها العشرون في تونس، وأصدرتها مصورة دار الكتب الوطنية بوزارة الثقافة التونسية ضمن ألبوم واحد في العام 1993 احتفالا بمائوية بيرم، يقول:
"وبعدُ فاضحك أيها الشباب. لأن كل شيء حولك على ما يرام: بلادك تجود بأكبر محصول من الزيت المبارك. وتخرج أجود أنواع التمر الشهي ومقادير هائلة من القمح الممتاز وفيها مناجم غنية بالفوسفات والرصاص والبترول ولكن آباءك وأعمامك هؤلاء يضعون أيديهم على خدودهم ويقولون والدموع تنهمر من أعينهم: الله غالب! بلادنا فقيرة معدمة مجدبة بائسة.

وهم صادقون....

فهذه المباني الشامخة مؤلفه من عشر طاقات والآخذة  في الزيادة والامتداد، وهذه الفيلات الضخمة المحاطة بالحدائق الغناء. وهذه السيارات الخصوصية التي تبلغ عشرات الألوف.. كل هذه جلبه الإفرنج في حقائبهم من الخارج ووضعوه فوق أرض تونس ..

ولك أيها الشباب مجلس نيابي يجعل بلادك مساوية للبلاد البرلمانية من إنكلترا إلى موناكو. يمثلك في هذا المجلس نواب توفرت فيهم كل المزايا اللازمة  للنواب الأكفاء كالجهل بالقراءة والكتابة.والتجرد من الوطنية الصادقة والكاذبة. والاستهانة بتونس ومن عليها. وقد قاموا  لك بواجبهم النيابي على أكمل وجه فاستطاعوا تأجيل ما عليهم من الديون وزوجوا بناتهم وطهروا أولادهم وعلقوا النياشين وتشرفوا بمعرفة كبار الموظفين

وحولك أيها الشباب متاجر ومخازن ودكاكين كلها قائمه على أساس معين ونظام حسن فالجراج اليوم يتحول غدا إلى إسطبل أو صالة غناء. ودكان الحجَّام أو العطار يتحول إلى فطايرى أو خضار أو مكتب (عدل ) وبسبب هذا التقدم المطرد والحركة الدائبة اكتسبت تونس ثقة البيوت المالية مثل الكريدي ليونى والكونتوارناسيونال وبنك فرنسا.

ولك نقابات وجمعيات يدخل فيها من يشاء من النصابين الأشراف والجواسيس مخلصين.والعاطلين العباقرة وتتمتع هذه الهيئات بنعمه الخلاف و التناحر والانشقاق لتصل بتونس إلى أوج المجد العز كسائر الأمم التي تعيش تحت الشمس .

هذا هو محيطك الذي تعيش فيه أيها الشباب. فأضحك إذا شئت ساخرا منه. مودعا له أقبح توديع أو اضحك إذا شئت مبتهجا لمستقبلك المميت الذي هو أمامك والذي هو لك وحدك.

اضحك على كل حال !"

والحق، أنه ما من كلمات تلخِّص سيرة جريدة مثلما نقرأه موجزًا في تلك الكلمات. ولو أن بيرم يعيش اليوم بيننا، لما زاد عن هذه الكلمات شيئا، وربما كان التغيير الوحيد سيقع في تاريخ الصدور، ومكانه، فقد أصبحت كلمات بيرم صالحة في كل زمان، ولكل مكان. ولعل ذلك أول أسباب سعيي وراء إعادة نشر أبواب "الشباب"، وإرفاقها بملاحق مصورة لأغلفتها، وبعضًا من رسومها وأبوابها التي دبج بها صفحاتها التي بلغت ثمانية في كل عدد.

ولا نغالي إذا قلنا إن المدرسة الصحفية التي انتمت إليها (الشباب) هي مدرسة واحدة، وسنجد مثيلاتها في مصر، وتكاد تكون كلها مرآة من الأخرى.

فإذا تصفحنا ـ نموذجًا ـ مجلة الاثنين، التي كانت تتخذ عنوانا فرعيا (الفكاهة والكواكب) وكانت تصدر  أسبوعية عن دار الهلال ويرأس تحريرها حسين شفيق المصري، وصدر عددها الأول في 18 يونيو 1934، سنجد كمًّا من التشابه بينها وبين (الشباب) كبيرًا، إلا أن تفوق (الإثنين) فنيا واضح بسبب كون ناشرها دار الهلال التي لها من الخبرة الكثير في إصدار الدوريات الملونة والمطبوعات والكتب.

سنجد في(الشباب) عددًا من الأبواب الثابتة: الكاريكاتير، والرسوم الساخرة، والإعلانات المختلقة، والقصص، والأزجال والأشعار المعارضة (التي يكتبها حسين شفيق المصري مرة باسمه ومرة بتوقيع شاعر الاثنين، ومرة ثالثة باسم أبو بثينة)، والأخبار والافتتاحيات المناهضة، والاستفتاءات والبريد. لنقل إن (الاثنين) كان محررها الأول حسين شفيق المصري، وأن (الشباب) كان بيرم محررها الأول و(الوحيد) محمود بيرم التونسي.

ومن الطريف الذي نقرأه ويثبت إطلاع محمود بيرم التونسي على هذه الدوريات المصرية، وهو في تونس، ما نشر في أحد الأعداد بزاوية (من القراءة وإليهم):

الصادق الارمرلي ( سيدي بو سعيد )
يعجبني الزيات في الرسالة ومحمد فكرى أباظة في المصور . وحسين شفيق المصري في الاثنين . ولكن المجلات المصرية لها عيب واحد . وهو جعل ثمنها فرنكا وخمسة وسبعين سنتيما. بمعنى إن القارئ التونسي يلزمه عشرون فرنكا في الأسبوع للمجلات المصرية فهل توجد طريقة  حاسمة  لترخيص المجلات المصرية؟

الشباب
طريقة حاسمة؟ نعم توجد في سوق الكتيبة بياع جرائد مصرية عنده (ستوك) منها . ويؤجره للقراءة كل عشرة جرائد بنصف فرنك.

وإذا كانت (الإثنين) تضع رسما كاريكاتوريا ملونا أو صورة لإحدى الممثلات ـ العربيات على الأغلب ـ على غلافها، فقد استقرت (الشباب) الرسم الكاريكاتوري، بالحبر الأسود، لبداءة الطباعة التي كانت متاحة للجريدة في العاصمة التونسية.

أبوابُ "الشباب"

إذا عددنا الباب، ركنا أساسيا في الدورية، وزاوية يتكرر ظهورها أكثر من مرة بشكل متتال أو متواتر أو متقطع، فإن أبواب الشباب يمكن أن تصنف في 22 عنوانا رئيسيا، نذكرها هنا، وبجانبها عدد مرات تكرارها في الأعداد العشرين من (الشباب):

الأبطال بالريشة والقلم (19 مرة)، وفيه ظهر على الترتيب: الميتر نعمان، الأستاذ زين العابدين السنوسي، الميتر الطاهر الصافي، السيد محمد الرصاع، سيدي حموده، الأستاذ السيد محمد الورتناني، الشاذلي السنوسي، الشيخ التبريزي بن عزوز، الشيخ سليمان الجادوي، الأستاذ عثمان الكعاك، الأستاذ الشاذلي خير الله، الأستاذ المنصف العقبي، الأستاذ محمود بورقيبة، السيد محمود العيولي، الأستاذ الصادق الزمرلي، الأستاذ عبد العزيز العروي، السيد محمد الأمين الكتبي، البطل المجهول، أبناء وبنات الفن (17 مرة)، اختراعات جديدة (4 مرات)، الأغاني الشعبية مصورة (مرتان)، الأغاني الوطنية مصورة (3 مرات)، الذي والتي .. (4 مرات)، في الموسم الأسود (مرتان)، قصة الأسبوع (مرتان)، قصة الشباب (6 مرات)، الرسوم الكاريكاتورية (21 مرة)، كلية القرويين (4 مرات)، مذكرات المنفى (9 مرات)، مسابقة الشباب (5 مرات)، مطبخ الزين (5 مرات)، المغرب يتكلم (5 مرات)، ملوك وملكات الجمال (6 مرات)، المقامات (6 مرات)، من القراء وإليهم (14 مرة)، الموزيكهول الأهلي (5 مرات)، نعم .. ولكن (3 مرات)، نقابة المروقية (6 مرات)، نكات محلية مصورة (4 مرات)، الوسواس الخناس (7 مرات)، يا سلاك الواحلين (7 مرات).

سنجد كيف يستهل صاحب الجريدة المسئول كل عدد بافتتاحية ورسم كاريكاتوري هو الأكبر ـ غالبًا ـ بين رسوم العدد الساخرة. ونلاحظ أن تلك الرسوم والافتتاحيات لم تكن لتخرج عن التعليق على حدث يعتقد فيه صاحب (الشباب) أنه الأكثر أهمية لديه ولدى القراء. لذا يمكن أن نضع هذه الصفحة الاستهلالية كبوابة عبور نحو قلب الأحداث، التي قد تطرق الباب مرة أو أكثر بعد ذلك في متن الشباب.

وفي الفصول التالية سنثبت المذكرات التي كتبها بيرم في المتن وأعاد نشرها منجمة في (الشباب)، قبل أن يضمها كتابٌ نادر لناشر تونسي لم يطبع منه سوى 50 نسخة فقط! كما سنقرأ كثيرًا من الافتتاحيات، والرسوم ـ سواء المصاحبة لتلك الافتتاحيات أم التالية لها.

كما نقرأ المقامات التي ضمنها بيرم التونسي في (الشباب)، فنتعرف على سطور فنه الأثير الذي برع فيه أيما براعة. ونخصص جانبا لباب البريد الذي سماه الشاعر : من القراء وإليهم، قبل أن نقف عند الأخبار والأنباء التي وزعها على صفحات العدد.

ولا شك أن أزجال بيرم سيكون لها نصيبٌ وافر، وهي التي دوَّنها ساخرًا ومعارضًا، وقد كانت تلك الأزجال سيفه المسلول الذي حارب به الفساد في كل زاوية تطرقت إليها كلماته، وقد عرفت بديهته الحاضرة، ونقائضه الشهيرة.

وقد خص بيرم التونسي أعلام عصره بزاويتين، أسمى الأولى (الأبطال)، وهم الذين كانوا أبطالا في الحديث عنه، حيث يكون معنى البطولة سلبيا أحيانا، كأن يكون بطل الفيلم شريرًا، أما آل الفنون، في مصر وتونس وغيرهما، فقد جعل الحديث عنهم في زاوية : أبناء وبنات الفن، ونختتم أبواب (الشباب) بالحديث عن تلك الإعلانات الساخرة التي جعلها بيرم التونسي فنا قائمًا بذاته.

إن ذلك الخصب في كل باب، والتنوع في كل صفحة، ليدلنا على الحرفية الصحفية النادرة والموهبة الآسرة لبيرم التونسي، فهو الراوي حين يسرد، والشاعر حين ينظم، والساخر حين ينقد، والفنان حين يوزع بعصا المايسترو الكلمات هنا وهناك، نظما ونثرًا.

عروبة (الشباب)

جَليٌ أن (الشباب) كرّست جُل صفحاتها للشأن التونسي، الداخلي والخارجي، ولكن تجدر الإشارة إلى عروبة (الشباب) التي تستمدها من عروبة محررها. وسنقرأ بين حين وآخر معالجة مصرية، وشآمية، مثلما سنطالع محطات جزائرية ومغربية.

وفي عددها التاسع عشر، وتحت عنوان رئيس (صوت الجزائر)، وفرعي (بردة الوطنية الجزائرية)، نقرأ لبيرم هذه الكلمات تقديمًا لقصيدة الشاعر مفدي زكريا:

إيه أيتها الشقيقة العزيزة! لقد بعد عهدك بالعربية حتى كادت تنكرك. وتلهف الناطقون بالضاد على سماع صوتك بينهم. فها أنت تنجبين شاعرك الفرد مفدي زكرياء يصور لنا ملامحك، ويقرب إلى قلوبنا شخصك، وما خفي من شئونك وشجونك.

و(الشباب) ينشر مزهوًّا قصيدة مفدي زكرياء التي خصه بها دون الصحف العربية ويهنيء الجزائر بشاعرها الفرد:

"ألق في مسمع الزمان مقالا         واملأ الكون روعة وجلالا
وابعث الشعر كالتسابيح يختـــــال إلى عالم الخلود جمالا
وأقم في قسم الشمال احتفالا      حي فيه على الزمان الشمالا
واملأ المهرجان بشرًا ونورًا      واحمد المهرجان صحبًا وآلا
واشهد النجم في الجزائر قد عا    نق في تونس الكرام الهلالا
منظر من مناظر الخلد لا ز        ال دليلا على الرضى ومثالا"

وتنشر (الشباب) 43 بيتا تختتم بالأبيات التالية:

"إن شعبًا على العروبة والإســ   ـلام قد شب لا يطيق فصالا
إن تربا مضمخًا بدماء              من جدود لا يستطيع اعتزالا
إن جنسًًا مقدما عربيا             ليس يرضى أن يستحيل خيالا
حاولوا هضمه قديمًا فخابوا            واستعدوا له قرونا طوالا
إن جنس النبي صعب على الهضـم فيا غرب كف عنك المحالا"

والشاعر مفدي زكريا (واسمه الحقيقي زكريا الشيخ) ولد في نني يزقن (غرداية ) بتاريخ 12 أبريل 1908 من عائلة تعود أصولها إلى الرستميين ،بدأ تعليمه الأول بمدينة عنابة أين كان والده يمارس التجارة بالمدينة ثم انتقل إلى تونس لمواصلة تعليمه باللغتين العربية و الفرنسية و تعلّم بالمدرسة الخلدونية ،و مدرسة العطارين. وأثناء  تواجده بتونس و اختلاطه بالأوساط الطلّابية هناك تطورت علاقته بأبي اليقضان و بالشاعر رمضان حمود ، وبعد عودته إلى الجزائر أصبح عضوا نشطا في جمعية طلبة مسلمي شمال إفريقيا المناهضة لسياسة الإدماج ، إلى جانب ميوله إلى حركة الإصلاح التي تمثلها جمعية العلماء. وقد انخرط مفدي زكريا في حزب نجم شمال إفريقيا ثم حزب الشعب الجزائري و كتب نشيد الحزب الرسمي " فداء الجزائر " اعتقل من طرف السلطات الفرنسية في أغسطس 1937 رفقة مصالي الحاج و أطلق سراحه سنة 1939 ليؤسس رفقة باقي المناضلين جريدة الشعب لسان حال حزب الشعب ، اعتقل عدة مرات بين عامي 1940 و 1945 ، و بعد خروجه من السجن انخرط في صفوف حركة الانتصار للحريات الديمقراطية ، وانضم إلى الثورة التحريرية في 1955 و عرف الاعتقال مجدّدا في أبريل 1956. سجن بسجن بربروس " سركاجي حاليا " مدة 3 سنوات وبعد خروجه من السجن فرّ إلى المغرب ثم إلى تونس أين ساهم في تحرير جريدة المجاهد إلى غاية الاستقلال . اشتهر مفدي زكريا بكتابة النشيد الرسمي الوطني" قسما "، إلى جانب ديوان اللهب المقدس، و إلياذة الجزائر، وتوفي في 17 أغسطس 1977 بتونس.

بطاقتان للشباب : لقد كانت الشباب ـ وكل الصحف التي أصدرها بيرم التونسي ـ عنوانا عليه، وأثرًا على تلك النار المتأججة في صدر مصلح عظيم. وإذا كانت كتيبة صحفيين ستجتمع لتصدر الشباب، فما كانت لتؤدي دورها بأفضل مما أداه ذلك المناضل. ولعل تهنئتين من زعيمين تونسيين جاءتا صاحب (الشباب) تقيمان دوره وتوثق مكانته في زمنه التونسي.

فتحت عنوان بطاقات الشرف، كتب التونسي:

"تفضل علينا الزعيمان الكريمان الرئيس الجليل الدكتور محمود الماطري والزعيم المجاهد الأستاذ الحبيب بورقيبة ببطاقتين تتضمنان اشرف الشعور نحو جريدة (الشباب)، ولما كانت كل بطاقة منها مكتوبة بخط مهديها الكريم فقد حلينا بها هذا العدد الذي يصدر وهو مزهو شامخ بما ناله من الشرف لتكون عند القراء من أعظم الآثار التي تحتفظ بها الشعور للرجال".

وقد كتب في بطاقة الدكتور محمود الماطري:  "إني أقرأ جريدة الشباب كل أسبوع وأعتقد أنها من أحسن الصحائف لتربية الشعب وتثقيفه مع تسليته".

إمضاء محمود الماطري.

أما بطاقة الأستاذ الحبيب بورقيبة فجاء فيها:

"عزيزي بيرم، رأيت جريدتكم الشباب من خير الجرائد التي ينتفع بها الشعب التونسي، فسر على بركة الله. الحبيب بورقيبة".

وكان محمود بن مختار الماطري (11 ديسمبر 1897- 23 ديسمبر 1972) طبيبًا وسياسيًّا تونسيا من أبرز قادة الحركة الوطنية التاريخيين وقد ساهم بالكتابة في بعض الصحف الوطنية. قبل أن ينضم إلى الحزب الحر الدستوري التونسي وانتخب في مايو 1933 في لجنته التنفيذية رفقة الحبيب بورقيبة وجماعته الذين سيخرجون من الحزب ويؤسسون في 2 مارس 1934 حزبا جديدا هو الحزب الحر الدستوري التونسي (الجديد). وقد انتخب محمود الماطري آنذاك رئيسا له، في حين انتخب الحبيب بورقيبة كاتبا عاما. وقد ألقي عليه القبض مثل رفاقه في 3 سبتمبر/أيلول من نفس السنة، ونفي إلى بنقردان بالجنوب التونسي. أما الحبيب بورقيبة المولود في 3 أغسطس 1903 - والمتوفى في 6 أبريل 2000، فهو أول رئيس للجمهورية التونسية، وحين كتب هذه الكلمات إلى صاحب (الشباب)، فقد كان قد أطلق سراحه بعد اعتقال لنحو العامين (تم اعتقاله في 3 سبتمبر 1934 لنشاطه النضالي وأبعد إلى أقصى الجنوب التونسي ولم يفرج عنه إلا في مايو 1936). ولم يكن اهتمام كلا الزعيمين الوطنيين بجريدة (الشباب) نابعًا من فراغ، إذ أنهما وجداها تدخل في إطار الحركة الوطنية التي يقودانها للإصلاح والتحرر، وقد نشرت البطاقتان في عددها الخامس (26 نوفمبر 1936).

وإذا عدنا إلى باكورة أعداد (الشباب) لوجدنا كيف وضع بيرم ثقته في الرجلين اللذين قادا الحركة الوطنية في تونس، إذ أن الرسم الذي احتل ثلثي الصفحة الأولى بريشة (سليمان) يصوِّر تمثالا تنتصب فوقه صورة تونس، وإلى يسار التمثال الحبيب بورقيبة حاملا ملصق الدستور، وإلى اليمين يجلس الماطري، وقد كتب المحرر أسفل الرسم: "فوق تونس. عاليمين الماطري. عاليسار بورقيبة. من الخلف ـ الله أعلم"، مشيرًا إلى الأخطار التي تتهدد البلاد آنذاك.

ونرى رسمًا ثانيا نشر في العدد الثالث (الخميس 13 نوفمبر 1936) وفيه ثلاثة خيول يقود أولها هتلر، وثانيها موسوليني وثالثها الماطري ووراءه على الفرس نفسها الماطري، ونقرأ تحتها:

الماطري: شوف يا سي الحبيب الأضداد متحدين ومتحابين. أماله الأحباب أولى. رد بالك يقولوا متخالفين.
بورقيبة: اتهنى احنا متحدين خير منهم.

 

الصورة : بيرم التونسي
النص:
المقدمة
أحد الفصول
من مذكرات المنفى لبيرم التونسي
الدرجة الرابعة
17 أوت (أغسطس) 1919

وجدتُ تذكرة السفر التي صرفها لي قنصل فرنسا في الإسكندرية من تذاكر الدرجة الرابعة التي تتكرم بها الحكومات للمسافرين على حسابها .

قدمت الباخرة "شيلي" من بواخر "المجيرى ماريتيم" إلى الإسكندرية مشحونة بعشرات من العائلات السورية الفقيرة المهاجرة إلى  أمريكا الجنوبية وقد احتلوا قسمي الدرجة الرابعة؛ أي السطح والقاع.

لم يبقَ أمامنا غير البحر والسماء، وأمام هذا المشهد أخذ الركاب يتوددون ويتقاربون.

سألني فتى لبناني يدعى ( جورج) لاحظت أنه كان يطيل النظر إليَّ منذ صعدت من سلم الباخرة: يا بو أنت كاثوليكي ولا أرثوذسكي.
قلت : كاثوليكي.

فانحنى في الحال على حقيبتي، وحملها وهو يشير برأسه ويغمز بعينيه لأتبعه. وتبعته في ممرات ضيقة، ونزلنا على درجات قذرة إلى  حيث تجلس أمه العجوز في قاع الباخرة لحراسة أمتعتها فقدمني إليها أولا باعتباري أني أحد المصريين الذين تتلهف إلى  رؤيتهم. وطمأنها ثانيا بأني كاثوليكي. وأوصاها ثالثا بحفظ الحقيبة. ثم جذبني من ذراعي لنعود ثانية إلى  سطح الباخرة. أو على الأصح لينقذني من وابل من الأسئلة أمطرتني بها أمه عن مصر وأهلها ونيلها وفنها.
 
لاحظت أن بين المهاجرين عدة فتيات تقطع كل منهن هذه السفرة الطويلة بمفردها فسألت إحداهن أو أجملهن كيف لا تخشى السفر وحدها فأجابتني:

ـ الناس ما بيأكلوا الناس. وهو زعم كاذب.

 ذقت جرعة من قهوة الباخرة ثم لفظتها لأنها ذكرتني بجرعة تناولتها وأنا طفل على سبيل الفضول والعلم بالشئ من ماجور قهوجى يغسل فيه الفناجين.

قذفت إلى  البحر بطعام الغداء الذي أعطي لركاب الدرجة الرابعة وهو عدس أسود اللون فيه قطع بيضاء لامعة من شحم الخنزير.

على ظهر الباخرة قهوجي يوناني يبيع القهوة الشرقية والسواقر. ومساحة قهوته متر مربع ملأها بجسمه المنتفخ كأنه بالون مملوء بالدم. هذا القهوجي يزيد ربحه على مرتب أكبر الموظفين في الباخرة.

هو يربح فوق دخله من بيع القهوة الشرقية أرباحا أخرى لأنه يقوم بدور الوسيط بين موظفي الباخرة وبين الركاب الذين يرغبون في تغيير درجاتهم أو مآكلهم بأحسن منها.

ذهبت إليه لأول مرة فوجدته يقرأ النشرة اللاسلكية التي تلقتها الباخرة  في عرض البحر وكان فيها أخبار الجيش اليوناني الذي توغل في الأناضول وأصبح على تخوم مدينة أنقرة. وكان يقرأ متبجحا شامخا بأنفه والركاب حوله بين مهنيء وممتعض وساكت على الحياد.

بين هؤلاء الركاب وجيهان مصريان من ركاب الدرجة الأولى جاءا هاربين من قهوة الباخرة. في هذه اللحظة انطلق أحد الركاب الذين صعدوا من الإسكندرية يغنى دورا من أدوار عبد الحي فانفض الواقفون من حول اليوناني والتفوا بالمغني وهو إسرائيلي جميل الصوت والوجه يبلغ التاسعة عشرة من العمر. يريد الذهاب أيضا إلى أمريكا الجنوبية المحرومة من المطربين. وهو واثق من النجاح لأنه شقيق مغن مشهور في القاهرة. ولما أتم الدور أخذه الوجيهان المصريان عندهما في الدرجة الأولى حيث يوجد البيانو والويسكي الجيد.

جاء المساء وقد ألقيت أيضا طعام العشاء من البحر لأنه كان أطرافًا من اللحم البقري كريهة المنظر مسلوقة مع السفنارية الصفراء.

نادتني عجوز فضلت هي  وابنتاها الإقامة على ظهر الباخرة، وقد افتتحت التعارف بهذا السؤال:

ـ يا مصري. دخيلك صحيح عندكون البياعين بيغنوا عالعنب والتين والخيار؟
 

قلت : نعم.
 
وتطوعتُ فألقيتُ على سمعها جملة ألحان مختارة مما أتحفظ عن الباعة. فكانت إحدى ابنتيها وتدعى جميلة تصغي بإعجاب وفمها مفتوح تظهر منها أسنان كبيرة صفراء، بينما تخدرت الثانية واتكأت على صندوق بجانبها وكلما فرغت من لحن طلبت هي غيره.

وقد شعرت بالأنس لمجاورة هذه العائلة المتواضعة وطاب لنا المجلس إلى  نحو نصف الليل. وقد أخذ كل إنسان  يحضر المكان الذي سينام فيه. وامتدت جميلة على سطح الباخرة الخشبى وامتدت بديعة بعكسها ثم تداخلتا بالأفخاذ حتى صارتا إحدى الصور التي في ( كارتا)  اللعب وبذلك نامتا في أمان.

في نحو الساعة الثالثة صباحا نزل الفتى المغني الإسرائيلي من الدرجة الأولى وهو سكران يترنح.

 

20 أوت

للمهاجرين رئيس ينظر في مصالحهم يدعى أبو نصر أرانيه (جورج) وقال وهو يشير إليه:

هالعكروت عامل رئيس علينا !

والساعة أخبرني (جورج) أن أحد البحارة الصينيين أعجبته أم نصر زوجه الرئيس ونزل إليها في نحو الساعة العاشرة صباحا إلى العنبر الأسفل حيث تقيم مع والدته في حراسه الأمتعة ومعه دجاجه ناضجة يخفيها تحت فوطه فقدمها إليها وهو يفأفيء بكلمات غير مفهومه فلم ترفض أم نصر هدية البحار!

واقترح جورج أن يتسلى في هذه الليلة بمراقبة الصيني ومعرفة ما عسى أن يفعله بعد تقديم الدجاجة.

لم أذق طعم النوم منذ ركبت الباخرة إلى مساء اليوم الثاني، لا انزعاجًا من النفي ولكن لابتهاجي بمنظر البحر والسماء بصورة جديدة أراها لأول مرة في حياتي، فاستلقيت على كرسي من الخشب قريبًا من جميلة  وبديعة وقد عصفت الريح وأخذت الباخرة تسير صاعدة هابطة كالأرجوحة فأشعر بارتياح لحركاتها.

ولكن جميلة  وبديعة أصابهما الدوار وغرقتا في سيول من القيء كان أحسن لهما وأصون من التشابك بالأفخاذ وعند دخول العتمة غلبني النوم الجبار.

منذ ركب أبو نصر الباخرة وهو يبيت علي ظهرها ولا يري أم نصر إلا في أوقات قليلة في النهار. وفي ليلتنا الرابعة والأخيرة هبت علي الباخرة عاصفة قوية اضطرتها إلى المبيت في جون من أجوان كورسيكيا وهطلت الأمطار بشدة فاحتشد كل من كان على ظهرها في العنبر الأسفل، ومنهم أبو نصر وأخذت أم نصر في تحضير فراش أنيق وقد لفتت أنظار كل من بالعنبر وهي تفرش الملاءة البيضاء وتنسق المخدات الأخرى باعتناء ووقف أبو نصر بجانب هذا الفراش ينتزع ملابسه القطعة تلو الأخرى وينظر بغير ارتياح إلى من حوله من الركاب المستيقظين فدخن سقارة وأخرى وأخيرًا وقف كالخطيب ووجه لمرؤوسيه النصيحة الآتية:

 ـ ناموا من شان تقوموا بكير. شو ها الزعرنة؟ في الصباح داخلين على مرسيليا وما بتلاقوا قوة من شان تشيلو الأواعي بتاعكون. ناموا.

وكانت أم نصر قد اندست تحت الغطاء الخفيف. مولية ظهرها بتفاصيله للناظرين فرفع أبو نصر بقيه الغطاء وامتد خلفها وهو موقن بأن الركاب عملوا بنصيحته. وكنت أنا  وجورج قريبين من هذا المشهد وكلانا مستلق علي ظهره فوق مصطبة أعلى من فراش أم نصر. وقد غمرتني نوبة من الضحك وأنا أشاهد الركاب الذين اتجهت أنظارهم جميعا للفراش الأنيق وكيف يحاول كل منهم إخفاء اهتمامه بما يجري ورفع أبو نصر رأسه عندما توالت ضحكاتنا المكتومة أنا وجورج فلما تقابل نظري بنظره كانت أحشائي تتمزق من الضحك فاستلقيت علي وجهي لأظهر مظهر الذي أخذه القيء وأغمضت عيني نهائيًا.

كنت مبتهجًا عندما اقتربت الباخرة من ميناء مرسيليا ووقفت مع الركاب أشاهد برج "نوتردام" وقباب الكاتيدارئية، فإذا بأحد ضباط الباخرة يناديني باسمي. فلبيت. فوضع يده علي كتفي بلطف وساريي في أحد الممرات وفتح حجرة وقال:

ـ تفضل بالدخول!
 
فدخلت طائعًا. فأغلق الباب وأخذ المفتاح وبقيت منقبض النفس لأنه لم يبين لي السبب. وأبصرت في أعلى الحجرة كرة مستديرة لها باب من الزجاج الأحمر السميك القاتم فتسللت إليها ولكني لم أبصر منها شيئا وعالجت فتحها بالأصابع فلم أفلح إلا بعد مشقة كبرى لالتصاقها بالدهن الغليظ ورأيت عندئذ جانبا من عرض البحر وقفت فيه بواخر مختلفة الألوان . بعضها فارغ تماما والبعض يظهر منه بحار أو فحام  كأنه هو أيضا مسجون . ورأيت "لنشا" صغيرا يسير بجانب الباخرة بمقدار سيرها البطيء .وفهمت من قذارة شكله أنه من لنشات الحكومة. وفي وسطه ثلاثة رجال كانوا يرفعون قبعاتهم لبعض معارفهم من موظفي الباخرة.

هذا اللنش جاء لاستقبالي وحدي ... والذي فيه هم من رجال البوليس الخاص.
علمت ذلك عندما فتح البحار باب الحجرة وطلب مني الاستعداد للنزول مع ركاب الدرجة الأولى   الذين نزلوا قبل غيرهم. وكنت أنتظر الشر من مقدم هذا البوليس ولكني وجدتهم في نهاية الرقة ولم يكن حضورهم إلا مجرد إجراءات رسمية تجري مع كل منفي ...

   
 

يصدر عن مكتبة الإسكندرية، 2008

سيرة ذاتية
دواوين شعرية
كتب
روايات
كتب الأطفال
ترجمات
فيديو
مدونة

 

 

تصميم واخراج بلال بصل \ تصميم الشعار موفق بصل \ جميع المواد المنشورة في هذا الموقع تعود حقوقها للمؤلف