مذكرات مسافر

كتب
مذكرات مسافر

المقدمة

1
لعلَّ الصدفة وحدها كانتْ أولَ خيطٍ قادني لقراءةِ أوراق هذه الرحلةِ المهمةِ. وهي صفحاتٌ منسية، رغم أن مسطرَّها من الأعلام النادرين في تاريخ النهضة المعاصرة، لما بلغه من مكانة، وما تركه من أثر. وفي أوراق هذه الرحلة من شذرات التنوير ما يجعلها أكثر معاصرة مما يكتبه دعاة التنوير اليوم، وفيها من الدعوة للحوار مع الآخر وفهمه، ما يكاد يكون صدى لما يحدث الآن.

وكنتُ قد عثرتُ على مقالةٍ أولى للشيخ مصطفى عبد الرازق في مجلة (مجلتي) التي أصدرها قبل نحو سبعين عامًا الأديب أحمد الصاوي محمد. كانت (مجلتي) ـ التي صدر عددها الأول في ديسمبر 1934 ميلادية، وكما يقول أحمد الصاوي محمد في أحد إعلاناتها ـ جسرًا بين الشرقِ والغربِ، وهو جسرٌ لم يُخفِ عشق مؤسسها وصاحبها ومحررها لباريس على وجه خاص، حتى أنه جمع ما نشره في (مجلتي) حول هذه المدينة في كتاب ضخم أسماه (باريس).

كانت تلك المقالة الأولى، التي قرأتها للشيخ مصطفى عبد الرازق، قصيرة في صفحاتها، ممتدة في أثرها، وتحمل عنوان (بين البَرِّ والبحر) وفيها يقص علينا الشيخ رحلته بالسفينة إلى مدينة مرسيليا وزيارته لكنيستها الشهيرة (نوتردام دو لاجارد)، ليدعونا ـ من هناك ـ للتأمل في جمال الدين، أيِّ دين، رافضا مذهب الغلو، حيث يقول: إنما يشوه الدينَ أولئك الذين يريدُونه كَيْدًا وتضليلا، وقيدًا للعقول والقلوب ثقيلا. وكان تاريخ نشر هذا الجزء من الرحلة في الأول من يناير لعام 1937 ميلادية.

وهكذا بدأتُ التنقيب عن باقي فصول هذه الرحلة، لأكتشفَ أن ما ينشره الصاوي مستعادٌ، وقد سبقته إلى نشره منجَّمًا جريدة (السياسة) المصرية بين يوم الخميس 31 يوليو 1924 ميلادية (الموافق 28 ذي الحجة 1342 هجرية) إلى يوم الجمعة 10 سبتمبر 1926 ميلادية (الموافق 3 ربيع الأول 1345 هجرية). ثم أعثر على مصدر ثالث للرحلة في كتاب (من آثار مصطفى عبد الرازق ـ صفحات من سفر الحياة ومذكرات مسافر ومذكرات مقيم وآثار أخرى في الأدب والإصلاح) وجمع شقيقه الشيخ علي عبد الرازق بين غلافيه هذه الأوراق وسواها وصدَّره بنبذة عن تاريخ حياة الشيخ مصطفى عبد الرازق، وجعل مقدمة الكتاب الصادر في 1957 ميلادية عن دار المعارف بالقاهرة لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.

2

دَرَسَ الشيخ مصطفى عبد الرازق في الأزهر الشريف، وكان اجتهاده ونبوغه وراء نجاحه في امتحان العالمية في 25 يولية من العام 1908 ميلادية ونيله الدرجة الأولى، وهي أرقى درجات العالمية الأزهرية في تلك الأيام. وقبل أن يمضي شهر واحد على نجاحه انتدب في 11 أغسطس من العام نفسه للتدريس  في مدرسة القضاء الشرعي، حتى استقال منها في السادس عشر من مارس 1909 ميلادية، وكان عمره آنذاك 24 عامًا، إذا أخذنا عام مولده 1885 ميلادية المذكور في ترجمة شقيقه لسيرته الذاتية مأخذ اليقين.

كما درس الشيخ مصطفى عبد الرازق على يد الإمام محمد عبده، واستفاد من منهجه في الانفتاح على أفكار الأمم الأخرى، وهو ما يتبدى بشكل جلي في أوراق رحلته (مذكرات مسافر). فلم يكن منهجه بالضيق التقليدي الذي يتمسك به الأزهر في هذه الفترة، ولذلك يعدان، الإمام محمد عبده والشيخ مصطفى عبد الرازق، مثالين للانفتاح على الفكر الغربي، وكلاهما يمثل في الوقت الاهتمام بالفكر العربي وتراثه، كما أنهما معا يهتمان بالفلسفة. ونعلم أن للشيخ مصطفى عبد الرازق مدرسته في الفلسفة الإسلامية وفيها قدم كتابه فيلسوف العرب والمعلم الثاني، الذي يتناول فيلسوف العرب: الكندي، والمعلم الثاني: الفارابي، والشاعر الحكيم: المتنبي، وبطليموس العرب: ابن الهيثم، وشيخ الإسلام: ابن تيمية. ورغم صغر حجم هذا الكتاب إلا أنه نموذج على تمكن شيخنا من منهجه.

ويذكر الشيخ علي عبد الرازق أنه على أثر استقالة شقيقه من مدرسة القضاء، وتفاقم الفتنة في الأزهر، وكثرة الاضطراب والارجاف، نشأ التفكير في أن يسافر مصطفى إلى فرنسا لدراسة اللغة الفرنسية وبعض العلوم هناك. واتفق أخوته على أن يسافر إلى باريس ليقيم فيها سنة كاملة ليتعلم اللغة ويحضر بعض دروس الفلسفة في السوربون.

وفي يوم الثلاثاء 22 يونية 1909 ميلادية يسافر الشيخ مصطفى عبد الرازق من مدينة القاهرة إلى ميناء بورسعيد. وفي الصباح الباكر من اليوم التالي تبحر به السفينة متجهة إلى مرسيليا ليأخذ القطار منها إلى باريس، وكان يرافقه على متن هذه السفينة الأستاذ أحمد لطفي السيد، رئيس تحرير (الجريدة) لسان حزب الأمة آنذاك. وقد قضى الشيخ مصطفى عبد الرازق في هذه الرحلة الأولى إلى فرنسا ثلاثة سنوات متتابعات فلم يعد إلى مصر إلا في شهر يولية سنة 1912 ميلادية.

كانت عودة الشيخ إلى مصر لشهور قليلة، وما لبث أن شد الرحال مرة أخرى إلى باريس. ونحن نقرأ عن هاتين الرحلتين في أكثر من موضع، حيث يكتب صديقه الأثير الأديب محمد كرد علي: سَافرَ (الشيخ مصطفى عبد الرازق) إلى باريس في 1909 ميلادية، فتعلم الفرنسية وحضر دروس الأستاذ دركهايم في الاجتماع، ودروسًا في الآداب وتاريخها. وفي سنة 1911 ميلادية تحول إلى مدينة ليون ليشتغل مع الأستاذ إدوارد لامبير في دراسة أصول الشريعة الإسلامية وحضر في جامعة ليون دروس الأستاذ جوبلو في تاريخ الفلسفة ودروسًا في تاريخ الأدب الفرنسي، وتولى تدريس اللغة العربية في كلية ليون مكان مدرسها الذي كان قد ندب للتدريس في الجامعة المصرية.

أما ملف خدمة الشيخ مصطفى عبد الرازق في الحكومة المصرية فجاء فيه ما نصه: كُلِّفَ (الشيخ مصطفى عبد الرازق) أثناء إقامته بمدينة ليون بالتدريس بدلا من جناب الأستاذ فييت الذي كان منتدبًا للتدريس بالجامعة المصرية القديمة، وقد أعد رسالة للتقدم بها لامتحان الدكتوراه في الآداب، موضوعها الإمام الشافعي أكبر مشرعي الإسلام. وقد أخرج بالاشتراك مع المسيو برنار ميشيل ترجمة دقيقة بالفرنسية لكتاب الشيخ محمد عبده موضوعه العقيدة الإسلامية.

ويؤكد الشيخ علي عبد الرازق أن شقيقه الشيخ مصطفى قد شرع خلال إقامته بفرنسا في كتابة مذكرات يومية، وبذل في كتابتها عناية غير قليلة. وما نشره الشيخ مصطفى عبد الرازق ليس سوى شذرات، ويبقى جل هذه اليوميات في جعبة أسرته، ولا شك أن الكشف عنها ذات يوم سيضيء مراحل ومحطات كثيرة من الحياة الفكرية في مصر وفرنسا.

كان الشيخ مصطفى عبد الرازق حين عاد لفترة قصيرة من فرنسا عام 1912 ميلادية قد وجد أمه على فراش الرحيل للدار الآخرة. وبعد وفاتها، تداول الأخوة في أمر سفر الشيخ مصطفى مرة أخرى، واستقر الرأي على سفره إلى فرنسا، وسفر شقيقه علي إلى إنجلترا، كما كان والدهما الراحل يوصيهما. وفي مساء يوم الاثنين السابع من شهر أكتوبر 1912 أبحرت بهما الباخرة من بورسعيد إلى مرسيليا فوصلاها في صباح السبت 12 أكتوبر و منها انطلقا صباح يوم الاثنين 14 أكتوبر إلى ليون، حتى غادراها في السابع عشر من أكتوبر إلى باريس. وفي العاصمة الفرنسية يظلان معا حتى 24 أكتوبر، حيث يترك الشيخ علي شقيقه مصطفى، منطلقا إلى لندن. ولم يكن بين المسافرَين من اتصال إلا عبر المكاتبات، وزيارة وحيدة لعلي إلى باريس أقام فيها الشقيقان معا بين الرابع من أغسطس والحادي والعشرين منه عام 1913 ميلادية.

وحين مرض الشيخ مصطفى عبد الرازق مرضا شديدا خاطب شقيقه المقيم بلندن برسالة في 19 فبراير 1914 ميلادية. وكان أن تسلم الشيخ علي عبد الرازق برقية أخرى من مصر يطلب إليه أن يلزم الشيخ مصطفى عبد الرازق الرجوع لمصر. فغادر أكسفورد إلى باريس مساء 26 فبراير، ليصل إلى المستشفى التي يقيم فيها الشيخ مصطفى عبد الرازق، حيث اطمئن عليه. كان الشيخ المريض يجد راحته هناك، وهي الراحة التي أرقها قيام الحرب العالمية الأولى في يولية 1914 ميلادية وكان لا يزال في المستشفى. ويلح المصريون على أقاربهم في أوربا ليفروا إلى مصر قبل أن تنقطع بهم السبل، ويستطيع الشيخ مصطفى عبد الرازق أن يجد له محلا في سفينة حملته إلى بر مصر قبل أن ينتهي عام 1914 ميلادية.

وهكذا نحن في هذه الرحلة أمام سطور عمرها أكثر من تسعين عامًا، وكاتبها هو أحد علامة القرن العشرين في مصر، وقد تبوأ فيها من المكانة ما يستحق، فكان سكرتير مجلس الأزهر الأعلى (1915) ومفتشا بالمحاكم الشرعية (1920) ومشاركا في ترجمة كتابين أحدهما رسالة التوحيد لأستاذه الإمام محمد عبده إلى الفرنسية (1925). كما كان عضوا بمجلس إدارة دار الكتب المصرية، وأستاذا للفلسفة بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول بالقاهرة (1928) وحصل على درجة البكوية (1937) والباشوية (1941) وكان وزيرا للأوقاف خمس مرات (بين سنوات 1938  و 1942) وشيخا للأزهر (1945) ورئيس الجمعية الخيرية الإسلامية (1946) وأميرا للحج (1946).

صباح يوم 15 فبراير سنة 1947 ذهب الشيخ مصطفى عبد الرازق لإدارة شئون الأزهر كعادته، فيترأس جلسة المجلس الأعلى له إلى ما قبل صلاة العصر. يعود إلى منزله فيتناول الغداء وينام القيلولة، ثم يستيقظ فيتوضأ ويصلي، ويأخذ يلبس ثيابه فيشعر بإعياء وهبوط، فيأوي إلى فراشه ويدعى الطبيب من قريب لإسعافه فيحضر، ولكن قضاء الله وقدره كان قد نفذ.

 

3

 

و(مذكرات مسافر)، هو العنوان الذي اختاره الشيخ مصطفى عبد الرازق ليسبق قراءة أوراق رحلته، حين وضعه على رأس ما نشره في جريدة السياسة وقد أعطى لكل مقالة عنوانا فرعيا. وإذا قارنا بين ما سردته المصادر عن الرحلة وما سجله قلم الكاتب نجد أن مسار الرحلة يبدأ في مصر، وفيها ينتهي. وما بينهما يسافر الشيخ مصطفى عبد الرازق بين مدن مرسيليا وباريس وليون وريفها وجرينوبل وإكس ليبان ولندرة (لندن). 

ولغة الشيخ مصطفى عبد الرازق في جدها والهزل تكاد تحسبها من الشعر، ولعل تمهله في النشر بعد سنوات من الكتابة وأناته في ذلك ما استطاع سبيلا سببا في أن النص الذي تقدمه (مذكرات مسافر) من النصوص الأدبية الرفيعة في أدبنا العربي. يقول طه حسين: كان شديد الإيثار للأناة... وكان لهذه الأناة أثرها في كتابته فأنت لا تجد فيما يكتب معنى نافرا أو فجًّا، لم يتم نضجه قبل أن يعرب عنه. وأنت لا تجد فيما يكتب لفظا نابيا عن موضعه، أو كلمة قلقة في مكانها؛ وإنما كان كلامه يجري هادئا مطمئنا كما يجري جدول الماء النقي ، حتى يداعب صفحته النسيم. وكنت أشبه له كتابته بعمل صاحب الجواهر: يستأني بها ويتأنق في صنعها لتخرج من يده جميلة رائعة تثير فيمن يراها المتعة والرضى والإعجاب.

ومن استشهاد الشيخ مصطفى عبد الرازق بنصوص شعرية كثيرة لأبي تمام، والمتنبي والشريف الرضي وابن الفارض، نلمح فيه تلك الروح العاشقة للتراث العربي، ونعلم من سيرته كيف أنه ترك الشعر، بعد أن وصل فيه إلى مرتبة مرموقة، حتى أنه كان يرثي ويمدح شعرًا، ولكنه لم يشأ أن يجمع ما تفرق من قصائد وهي كثيرة. ولم يشأ شقيقه الشيخ علي عبد الرازق أن يفعل ما أبى الراحل فعله.

وإذا كان ذلك حديث اللغة كما يراها طه حسين عند الشيخ مصطفى عبد الرازق فإن مناحي أخرى في رحلته لا تقل أهمية عن السلاسة التي يكتب بها، والوضوح الذي يتوخاه. فقد أراد أن تكون مذكراته قراءة للآخر المخالف لنا في العلوم والآداب والفنون والسياسة والاقتصاد والمجتمع، وما أراه إلا مصيبا في ذلك كله، ناجحا في عقد المقارنة إذا صحت، واستشفاف المطابقة إن وجدت، واستنباط الدروس ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

فهو يقارن بين رحلة البر وسفر البحر. ويقارن بين مشاهد باريس وأحوال لندن. ويقارن بين حياة مدينة ليون وريفها. ويقارن بين الثقافات في الشرق وتلك التي في الغرب. مثلما يقارن بين الأطعمة والمشارب والعادات والتقاليد، وبين الشرطي في مصر وبريطانيا، والنادل على نهر النيل ونظيره على نهر السين. حتى تصبح الرحلة بمثابة قراءة سوسيوـ ثقافية لمجتمع يزوره دارس للفلسفة، مبحر في التراث، ومعتدل في الفكر.

وقد شغف الشيخ مصطفى عبد الرازق  بباريس شغفا شديدًا، وفيها قال: باريس عاصمة الدنيا، ولو أن للآخرة عاصمة لكانت باريس! وهل غير باريس للحور والولدان والجنات والنيران، والصراط والميزان، والفجار والصالحين، والملائكة والشياطين؟! ولا شك أن أفكار الشيخ مصطفى عبد الرازق امتداد لأفكار زوار باريس منذ القرن التاسع عشر، لكنه استطاع أن ينقل ـ في كل خطوة ـ المعاني التي أرادها بشفافية بالغة. ولم يكن هناك من تحيز أعمى أو تحزب بغيض أو تطرف هوى. وفي الرحلة لقاء بمختلف الجنسيات والأديان، ومنها يقف موقف الشيخ المعتدل، الذي يضيء برأيه مواقف المغايرين له أكثر مما ينفر منهم.

على الباخرة التي تقله إلى مرسيليا يلتقي بهندوسي مع أسرته، ما أن يعرف أن الشيخ مصطفى عبد الرازق محمديا، أي مسلما، حتى يهمس لمن معه ما لم يسمعه الشيخ. إذ أن التناحر كان مشتعلا بين المسلمين والهندوس حول البقرة في الهند، يقول الشيخ: ومَنْ مبلغُ صاحبِنا عني أنني ـ على شأن العيش والملح ـ لا أهين البقر ولكنني لا أعبدُه. وبعد. فيا ليت المسلمين والهندوس لا يتناحرون من أجل حيوان معبود!

وفي إحدى الكنائس يروي اعتراض الكنيسة على الأزياء المكشوفة لبعض النساء، مما جعلها تعد ذلك إخلالا بالحشمة الواجبة على المتدينات، خصوصا إذا دخلن بيوت الله وتعرض لرسم (لطقس) من رسوم الدين، فأصدر بعض أساقفة فرنسا منشورا إلى من يتبعونه من القسس يأمرهم بأن يتخطوا عند منح البركات              من تجيء إلى الكنيسة بهذه الثياب ثم يعظونها بالحسنى. يقول الشيخ مصطفى عبد الرازق: ومن الغريب أن بعض سيداتنا يسدلن النقاب على وجوه أذن الله أن تكشف ثم يبدين ما حقه أن يستر من أبدانهم وموضع زينتهن، وفي ذلك من المخالفة للدين والكمال، بمقدار ما فيه من المنافرة لذوق الجمال. لكن ليس لرجالنا الدينيين سلطان على النساء، إذ ليس لديهم بركة يمنحونها، فهل عندهم موعظة يسدونها؟

ثم يلتقي وصحبه بامرأة فرنسية حامل. إنها في بداية السبيل إلى حرم الأمومة، فيبتهلون إلى الله أن يرزقها أنثى يشرق من جبينها الوضاء نور الحب والسلام، لا ذكرا يحمل راية الحرب في مراكش وراية الفتك في الشام. ويعقب الشيخ مصطفى عبد الرازق: لم تغضب محدثتنا الفرنسية أن يُلمزَ قومها بالحق، فإن في فرنسا بحمد الله، من لا يغضب إذا لُعن الظلم والظالمون. ومن الطريف أن الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي يعترف في مذكراته بأنه نشأ على الخوف من شيئين، العفاريت، والسيدات، تكاد قصص مذكراته تتوزع بالعدل والقسطاس بين الرجال والنساء. (أما العفاريت فقد عدل الزمن تصورنا لهم، فأصبحنا لا نرهبهم إلا لمامًا).

ولكن أغرب ما قرأت في رحلة الشيخ فكان لدى سماعه لصديقه يدعوه للسفر جوا إلى لندن ، يتذكر الشيخ مصطفى عبد الرازق: ولما قضينا من باريس كل حاجة، ومسح بالأركان من هو مسح، قال رفيقي: "نذهب إلى لندرة في طيارة (طائرة)". يغفر الله لك يا رفيقي! وهل يناسب وصف العالمية (يقصد شهادة العالمية الأزهرية) أن نرقى بطيارة إلى الأفق الأعلى فنزاحم الملائكة بالمناكب عند أبواب السماء، أو نتشبه بالجن في استراق السمع؟ قال فالأمر هين نستفتي في المسألة شيخ الجامع الأزهر أو مفتي مصر وننتظر الجواب. يغفر الله لك مرة أخرى! إن شيخ الجامع الأزهر ومفتي مصر وإخوانهما لم يردوا تحية الإسلام في إدارة المعاهد الدينية، وقالوا لمن ألقى إليهم السلام: لست مؤمنا. فهل تطمع في الرد على استفتاء يرسل إلى حضرات أصحاب الفضيلة من باريس؟ ولا شك أن معركة الشيخ مصطفى عبد الرازق مع بعض قيادات الأزهر الشريف  كانت وراء تلك المُلح الطريفة التي يذكرها في ثنايا كتابه بين حين وآخر، وهي تشير إلى أن تشدد الأزهر في بعض جوانبه لم يكن له ما يبرره. وهي نظرة سماحة لم نعتدها ممن درسوا في الأزهر إلا لماما.

يبقى أن نسجل هنا تفسيرا لكتابة هذه المذكرات. فالواقع أن الشيخ مصطفى عبد الرازق كان قد دون الكثير منها، ونشر القليل. وقد حاول أن ينشرها في البداية كأنها مذكرات لشخص سواه، حين ابتدع شخصية أخرى عثرت عليها في (مجلتي) في الأول من مايو سنة 1935، وكان اسمها (صديقي المرحوم الشيخ حسان عامر الفزاري). وقد بدأ نشرها على أساس أن صديقه هذا قال له ألا يبدأ بنشرها إلا بعد سنوات ثلاثة من رحيله. ومن يقترب من الصفات التي منحت للفزاري يدرك ـ دون أدنى شك ـ أنه شخصية متخيلة، يحمل في معظم صفاته ملامح شخصية الشيخ مصطفى عبد الرازق نفسه. فهو من الصعيد جنوب مصر، وقد سافر إلى فرنسا في 1909 ميلادية، وأقام ـ كما يصفه الشيخ مصطفى عبد الرازق ـ في باريس عاكفا على الاستفادة من دروس السربون وحسن المراقبة لكل ما يمر به في وسطه الجديد، ويعيش واصلا ليله بنهاره في العمل.

وعلينا أن نأخذ وصف الشيخ مصطفى عبد الرازق لأوراق صديقه الفزاري على أنها وصف لرحلته هو: كتبت في هذه الأوراق خواطر وملاحظات ووقائع خاصة بحياتي وحوادث عامة وقد كانت عزيزة عندي تلك الصحف التي تحفظ تذكار مسراتي وأحزاني وخواطر طفولتي وشبابي وما أظنها خلوا من فائدة لأنها حقائق لم يلعب بها هوى. وقد اترت لك منها أجزاء تنشرها بعد ثلاث سنين لتختبر حكم الرأي العام فيها ولتسترعي الأنظار إليها ثم اطبعها في كتاب...

ومن أجل ما ذكرتُ في هذه المقدمة، وذكر الشيخ مصطفى عبد الرازق، أقدم لكم (مذكرات مسافر).

أحد الفصول

باريسْ ! باريسْ( )
يروى أن عالماً كبيراً من علمائنا – غير الأزهريين بالضرورة – كان قد غاب عن باريس زمناً طويلا في مصر، فلما عاد إلى ملكة المدائن، لم يتمالك أن ارتمى على أرضها وجعل يعفر وجهه في تراب الحرية، وإن كانت حرية باريس لا يلحقها غبار.
كان ذلك قبل عهد الأتوموبيلات والأتوبيسات( ) التي لا تترك الآن في باريس شبر أرض خالياً لعاشق يريد أن يرتمي ثم ينهض صحيحاً. وقد كان عالمنا – يرحمه الله – ضخماً طوالا، وكان يحب باريس ويحب الحياة.
لست من هذا النوع من الغرام، بيد أني أحب باريس حبًّا جمًّا.
دخلت باريس أول مرة بين صديقين كريمين، وكان أحدنا يلبس قبعة والثاني يلبس طربوشاً، وكان الثالث شيخاً معمماً.
أما الأول فتحلق به الفلسفة العالية فوق القبعات والطرابيش والعمائم، والثاني كان يحمل طربوشا فقط، فأصبح يحمل لحية وطربوشاً.
أما المعمم، فمسكين، لا يزال شيخاً معمماً.
وكلما دخلت باريس وجدتني بين الصديقين العزيزين، وأبصرت القبعة والطربوش والعمامة تسير في ذلك الموكب الدائم، فإن باريس تحتضن الذكريات، ولو صغيرة، في حرارة تحفظ عليها وجودها وحياتها، فليست تعود إليك خيالات بالية ولكنها تطالعك حقائق باقية. قد تجد للوحدة استيحاشاً حتى في مسقط رأسك، وبين قومك، أما باريس فلا وحشة فيها، لأن المعاني والذكريات والآمال والماضي والحاضر كلها في باريس كائنات متحركة تنهض بجانبيك.
باريس موجود حي، تنبعث الحياة من أرضه وسمائه، وصبحه ومسائه، ورجاله ونسائه.
باريس عظيمة، بكل ما تحتمل هذه العبارة من معاني الحياة والإجلال والجمال والذوق والفكر والانسجام والخلود.
في باريس جمال يجمع بين أبدع ما يتجدد من نتاج الذوق والفن وبين جلال القدم، وقد نقل لي أديب عن شوقي بك أنه قال: إن باريس كالجواد الأصيل. ( )
يريد شاعر النيل: أن حسن باريس ذاهب في غور الأجيال، يغتذى بالحديث والقديم، ويرجع إلى حب في الجمال صميم، وعليه طابع الأصل الكريم.
ليست باريس صنع شعب من الشعوب، ولا عمل عصر من العصور. ولكنها جماع ما استصفاه الدهر من نفائس المدنيات البائدة، وما تمخض عنه ذوق البشر وعقلهم وعملهم من آيات الفن والعلم والجمال.
باريس جنة فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فيها للأرواح غذاء وللأبدان غذاء، وفيها لكل داء في الحياة دواء. فيها كل ما ينزع إليه ابن آدم من جد ولهو، ونشوة وصحو، ولذة وطرب، وعلم وأدب، وحرية في دائرة النظام لا تحدها حدود، ولا تقيدها قيود.
باريس عاصمة الدنيا، ولو أن للآخرة عاصمة لكانت باريس!
وهل غير باريس للحور والولدان، والجنات والنيران، والصراط والميزان، والفجار والصالحين، والملائكة والشياطين؟!
***
زرت الحي اللاتيني، مجمع الكوليج ده فرانس والسربون والبانتيون. حي العلماء والطلاب، وحي الشباب، رعى الله الشباب! طوفت حول الجامعة، فإذا طلاب وطالبات برغم العطلة يغدون ويروحون تفيض محافظهم بالكتب والأوراق كما تفيض وجوههم الفتية بالنشاط والبشر، وإن علتها ملامح الجهد والفكر.
هم من ألوان مختلفة، وبلدان شتى، وأكثر الطلاب الأجانب جدًّا وعملا وانتفاعاً بالمقام في أوربا هم اليابانيون – في ما سمعت – وأكثرهم رفها وانصرافاً إلى اللعب، وتضييعاً للدرس هم الرومانيون.
أما المصريون فليسوا من خير الطلاب ولا من شرهم، إلا أنهم ممتازون بالتأنق والرشاقة وحسن البزة.
ولا يبدو على محياهم أثر للشحوب، فيقول قائلون: إنهم يرفقون بأنفسهم في لدرس رفقاً يحفظ عليه بهجة الراحة، ويقول قائلون: إن سمرة أديمهم تخدع الناظر عن سمات الجد والنصب، وآثار السهر الطويل في المذاكرة والتحصيل.
وكذلك شأن طلابنا في مصر نفسها، وكلا التأويلين محتمل في الجميع. وإذا ذكر الطلاب المصريون، وجب إعلان الإعجاب بشبان تتزين بهم مجاميع التلاميذ المصريين في بلاد أوربا المختلفة ونسمع ذكرهم ثناء مستطاباً، وهم على قلتهم رجاء النيل والأهرام، وعزاء مصر اليوم وذخرها لمستقبل الأيام.
ولا يسع السائح المصري إلا أن يسر سروراً عظيما بإقدام فتيان من خريجي الأزهر ومدرسة القضاء ودار العلوم على السفر إلى أوربا شوقاً إلى الكمال العلمي، من غير سابق تأهب للحياة والدراسة في تلك البلاد، ومن غير بسطة في الرزق ولا مدد.
تجد منهم في باريس وليون وجرينوبل، وقد يكون منهم في غير هذه المدائن، وفي غير فرنسا. أولئك الشيوخ المجاهدون في سبيل العلم يستحقون عطفاً وتشجيعاً.
***
ختمت زيارة الحي اللاتيني بحديقة ليكسمبور، وهي روضة ذلك الحي فيها جلاله وعليها طابعه.
الأشجار العتيقة باسقة، قد اسودت جذوعها، واخضرت أعاليها خضرة مشوبة باصفرار، وشقت بين صفوفها مسالك، تظللها الأغصان المتشابكة، كأنك بينها في سحر يتنفس صباحه في أعقاب ليل، وكأنك في تجلي الأسحار وفي هدءاتها. وترى التماثيل البديعة في شعرها الصامت منسجمة في ذلك الإطار البديع.
وبين حنايا هذه الظلال تجد فناناً عاكفاً على تصويره، ومفكراً مستغرقاً في تفكيره، وشاغراً يستنزل الوحي من سماء الشعر، وعاشقاً يبث غرامه، وغزلا يستمتع بالغزل.
ثم تخرج إلى ساحة تبسم الأنوار فيها والزهر، وتنحدر على درج، إلى البركة ذات النافورة، مرتع الأطفال اللاعبين بمراكبهم الصغيرة في أمواهها، ومن حولها دكك مفرقة لمن ليسوا أطفالا.
لمحت في بعض النواحي فتاة بيدها خطاب تقرؤه فيشرق وجهها بالسرور وتبتسم، وتلقاءها فتاة تكتب في صحيفة، وتتلو ما تكتبه فتنحدر عبراتها. وكم يأوى إلى تلك البركة من باك ومبتسم!
ليس ماءً ذلك الذي يجري في بركة ليكسمبور، ولكنه ذوب ابتسامات ودموع!
رويدكم أيها الأطفال العابثون بذلك الماء!

(1) السياسة: الثلاثاء 25 محرم 1343، 26 أغسطس 1924.

(2 ) السيارات والحافلات

(3 ) لأمير الشعراء عن باريس أكثر من قصيدة منها:
رزق الله أهل باريس خيراً              وأرى الفضل خير ما رزقوه
ويقول في موضع آخر:
غيبت باريس ذخرا ومضى            تربها القيم بالحرز الحصين

   
 

صدر عن : ارتياد الآفاق، دار السويدي للنشر، أبو ظبي، 2004

سيرة ذاتية
دواوين شعرية
كتب
روايات
كتب الأطفال
ترجمات
فيديو
مدونة

 

 

تصميم واخراج بلال بصل \ تصميم الشعار موفق بصل \ جميع المواد المنشورة في هذا الموقع تعود حقوقها للمؤلف