سيرة اللون، تجارب تشكيلية معاصرة

كتب
سيرة اللون

المقدمة
 
  اللوحة عاصمة الفنان، ومسقط ريشته. فيها يعيش تجربته، وبها نقرأ احتراقه، بين ابداع الحياة، وحياة الإبداع. والتجارب التشكيلية المطروحة على هذه الصفحات، بين القاهرة ودمشق، ومن مسقط إلى أنقرة، مرورا بعواصم الأردن والجزيرة وفي أعمال رواد الفن والحركات التشكيلية المعاصرة مجرد سطور في موسوعة الفن، تمثل عيني شاهد على موسم 2001/2002 فيما نوده أن يكون تقليدًا سنويا لكتاب الفن، فما أحوج الساحة إلى مثل هذه القراءات الخاصة لفنوننا الجميلة .
 
  نبدأ مع المصور وفنان الكاريكاتور جورج البهجوري ورسام المائيات عدلي رزق الله اللذين قدما لنا أخيرًا سيرتين روائيتين، وهما السيرتان اللتان سنتقاطع معهما في هذا الكتاب، قبل أن نعرج على معرض نساء البهجوري. أما جبرتي الفن المعاصر منير كنعان الذي عشنا معه شهرا ونصف الشهر في أضخم معرض استعادي في مصر فنقرأه في دراسة عنوانها تحولات منير كنعان. ونتذكر صانع الوجوه الثلاثة للبهجة: بهجت، بهجاتوس، بهاجيجو، في حوار مع رسام الكاريكاتور  بهجت عثمان، أما ألبوم 100 رسم وأكثر الذي يفضح العولمة والأمركة للفنان محيي الدين اللباد: الممثل الرسمي لفن الاحتجاج! فنحتفي به كما نحتفل بعودة حجازي للكاريكاتور السياسي  بعد انقطاع 11 عاما، مع كائناته المدهشة وهي تصعد مسرح الحياة والنقد الصارخ !
 
  بعد أن نمضي مع الفنانة إنجي أفلاطون في رحلتها  بحثا عن الفن والحرية، يكون لقاؤنا مع المعرض الأربعين للفنان فاروق حسني، ثم تجربة الفنان أحمد نوار التي ترصد لأربعين عاما على منصة التكريم، لفنان كان هاجسه الأول تحويل الطاقة البشرية التدميرية إلى طاقة بناء! ثم نعيش مع رحلتين جديدتين لرائد الباستيل محمد صبري، وناسك الباتيك علي الدسوقي قبل أن نلتقي الفنان عبد الوهاب عبد المحسن راهب الجرافيك بين رسالة الدكتوراه التي نالها حول رسالة الغفران لأبي العلاء المعري ومعرضه حول الثقافة الاستهلاكية، ومائياته في مغامرة جديدة، وأيضا معرضه الصرخة: البحيرة. ثم نعيش مع فنان مصري هو ممدوح أنور الذي يحمل معه روح المقهى ودفءالحارة وطلعة بنت البلد، وهو يقدم لنا وجوها مصرية على نهر السين!، وبعده نركض مع خيول الفنان أحمد عبد الكريم، تلك الخيول البرية التي تعتلي صهوة اللون والتاريخ، ومراكبه الورقية التي تغرق بحثا عن هويتها .
 
  وأدعوكم للقاء النحات الشاب محمد الشوربجي في معرضه عن آلام الانتفاضة وأحلامها في معرضه بأتيليه القاهرة. وزميلته التي تجد في الريف عزلتها الفنية وعالمها المسكون بالحكايات الملونة؛ إنها الفنانة التشكيلية الشابة سناء موسى التي تؤكد أن  أهم قضايا الفن هي حريتها! ونحتفي بتجربة شابة أخرى، للفنان البديع جمال هلال عاشق البورتريه .
 
  في الإسكندرية نزور معرضين، الأول لفنانينها خاص بالبورتريه، والثاني عن علاقتها بمارسيليا، أما المستنير دادا أو الفنان عصمت داوستاشي فنراجع كتابه حلاوة الروح في عزلته مع الأدب والفن والحياة، ورغبات صوفية لن تتحقق! واحتفالا باليوبيل الذهبي لثورة يوليو نزور معرضين ونشاهد جدارية للفنان مصطفى الرزاز، قبل أن نوجه التحية للسيدة لوتس عبد الكريم على إصدارها (الشموع) الراعي للفن، والفنان ناصر عراق على تأريخه للرسم الصحفي في مصر، والناقدة فاطمة علي على جهدها في مؤلفها مذابح الأبرياء، ونقرأ كتابا توثيقيا عن بنات النيل ، قبل أن نتجول في معرض الجواهر المكتوبة الذي تضيء به الإسكندرية مساحات من الذاكرة، ومنها إلى أسوان وسمبوزيوم النحت الدولي، وبعدها نحلق في فرجة تشكيلية بمعهد جوته بالقاهرة ودمشق لنؤكد على أن الفن هو مدرج الحلم وبهجة النظر، ومع محمد عبلة نختتم الرحلة المصرية التشكيلية لهذا الموسم .
 
  وفي القلب من المتن والروح معارض عربية نبدأها مع الشاعر والتشكيلية ميسون صقر من الإمارات، وبعدها التشكيلية المبدعة آمنة النصيري من اليمن، ولنا في الأردن أكثر من وقفة مع الفنان محمد العامري والفنانة هيلدا الحياري والفنانة سناء الكيالي والمتحف الوطني للفنون الجميلة الذي تقدم معرضه العربي الأميرة الفنانة وجدان علي. وفي النمسا لنا أكثر من وقفة، أولها مع طارق الطيب المبدع الشاعر والقاص والرسام أيضا .
 
  الوقفة الأكبر خارج مصر نجدها في سلطنة عمان، مع الملتقى الأول للنحاتين العرب في مسقط، الذي أكد على  حرية الفن في اختراق قيود الحجر والأزمنة وعبور بوابة الحياة. وقبل مغادرة عُمان نعيش مع تجربتها التشكيلية المعاصرة ونختار عددا من بين رساميها ومنهم نادرة محمود وحسن مير ولا ننسى متاحفها ومعارضها التي تستضيف رسامي العالم .
 
  في العاصمة السورية لنا أربع لقاءات مع النحات مصطفى علي في محراب أساطير العالم، ذلك الطائر الذي يغني عزلته فوق عربة لا يقودها أحد! ومع الرسامة السورية مريم جروس التي أقيم أول معرض لها بعد رحيلها في لوحات بلون القهوة قاتمة ومُرة، وأعمال الفنان صفوان داحول، الذي يقدم لنا كائنات تعزف الرحيل وتنشد الألم! وأيضا مع الصديق فايز سارة الذي يصدر موسوعة للكاريكاتور العربي .
 
  ثلاثة مفاجآت عالمية بين دفتي هذا الكتاب، الفنانة جليلة أم الشاعر الأشهر ناظم حكمت، هي رائدة الفن التشكيلي الحديث في تركيا، ورواية لسلفادور دالي الذي يقول: لست سورياليا.. أنا السوريالية، يقدم لنا فيها سيرة طولها 20 عامًا من الصور النادرة والاعترافات السرية، أما نحات القرن هنري مور، فيكتب يوميات الفن، ويعلق على أعماله، تلك المنحوتات الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس !!
 
  أما رسوم ديفيد روبرتس، هذا الفنان الاسكتلندي الذي بدأ نقاشا وأصبح أشهر مصور للشرق الأدنى والأوسط والعالم، اتي فازت في مهرجان السينما المصرية، من خلال فيلم تسجيلي، ولوحاته المصرية تباع على الانترنت، فنكشف كيف تستغلها الجامعة الأمريكية في القاهرة لتزيف الحقائق وتشطب تاريخ فلسطين، ولا يفوتنا أن نعلق على المعرض المهزلة للفنان الألماني هاشولت، أما الكاتب والمصور الإسباني خورخي إستيفا فيقدم على تجربة جديدة تستكشف حضارة عرب البحر في بحر العرب .
 
  وفي الكتاب نرصد لحركة الفن النمساوي المعاصر عبر خمسة رسامين، إضافة لتجربة التشكيلي والمخرج النمساوي بيتر باتساك. ونستمع إلى فنانة كندية ترسم صحراء الربع الخالي بأوراق الذهب لتقدم حرائق الألوان السوريالية. وفي الكتاب  محاولة أولى لرسم خريطة للفن الإفريقي المعاصر، في تلك الأرض المأهولة بالأساطير وتحرسها أقنعة الحياة والموت! ونسافر مع التشكيلي الفنزويلي لويس ألبرتو هيرنانديز الفنـان الذي يرسـم جـذوره. ونختتم الكتاب مع الفنانة البريطانية باتريشيا ميلنز التي تستلهم الطلاسم العمانية لعزف ترانيم لونية خالصة .


  أحد فصول كتاب سيرة اللون
   
 

يحدث في برِّ مصر باسم الفن :
الجامعة الأمريكية (تشطب) تاريخ فلسطين !

  في مصر الآن كتاب في الفن طبع بإيطاليا ونشرته الجامعة الأمريكية في القاهرة يلغي تاريخ فلسطين! بل ويقدم تاريخ اسرائيل في 44 صفحة وتاريخ مصر في عشر صفحات! والكتاب يباع في المكتبات (المصرية) الكبرى ويروج كل الأكاذيب الممكنة والمستحيلة! فكيف بدأت القصة؟ إبحث عن ديفيد روبرتس! ذلك أنني أعشق اقتناء مجلدات أعمال هذا الفنان؛ ورغم أن الكثيرين يرون رسومه بمنظار اليوم، محاكاة صماء للواقع، إلا أنني أرى فيها ذلك الولع بالتفاصيل التي حفظت لنا ـ مع سواها ـ ذاكرة بصرية نادرة لمصر والشرق قبل 160 سنة، بل وذاكرة كتابية أيضا حين سجل يومياته عن الأماكن التي زارها في مصر والنوبة والشرق كله .
 
  رسم روبرتس مداخل البيوت ومشربياتها، الميادين والقلاع، الأسواق والمقاهي، المدن والقرى، الطرق والممرات الجبلية الصعبة، المساجد والجوامع، المعابد الفرعونية في جنوب مصر والآثار الرومانية في الاسكندرية، دير سانت كاترين في سيناء والأماكن الدينية بالقدس، القوافل وهي تستريح، والشواطيء وهي تستقبل النهار الجديد، النيل ومقياس الروضة، الغوازي وكتبة الرسائل، المقابر والمسلات، وكان من الجرأة بحيث رسم أبا الهول عكس الشمس، في لوحة بهرت الروائي تشارلز ديكنز، فما كان من روبرتس إلا أن أنجز منها لوحة زيتية وأهداها إليه .
 
  الرسام الزنديق
 
  ويحكي الدكتور ثروت عكاشة في كتابه (مصر في عيون الغرباء من الرحالة والفنانين والأدباء) كيف هام روبرتس حبا بمساجد القاهرة فسعى إلى عباس باشا ليأذن له بالاختلاف إليها لتصويرها بعد أن حال بينه وبين ذلك خدم تلك المساجد إذ عدوه زنديقا كافرًا. فأذن له عباس باشا مشترطا عليه ألا تكون فرشاته من شعر الخنزير وجعل في صحبته جنديا انكشاريا يدفع عنه الجماهير التي تزحمه وتعترض سبيله وهو يصور. ولذلك كان يزهو بأنه أول فنان يرسم تلك المساجد من الداخل معترفا بأن ما يتكبده من عناء يهون أمام الجمال الباهر الذي انفرد بتصويره بعد أن حيل بين الأوروبيين وبين النفاذ إليها، ويقر بأنه لم يكن يضيق بمسلك المواطنين تجاهه أثناء أداء العمل، وخاصة بعد أن أخذ بنصيحة القنصل البريطاني فتزيا بالزي التركي وحف شاربه .
 
  يقول روبرتس في رسالة إلى ابنته: إني إلى ما أجده في القاهرة من ضيق الشوارع وازدحامها واكتظاظ الأسواق بالإضافة إلى ما لدى الأهالي من فضول، أخشى أن تطأني الإبل بأثقالها فأتحول مومياء، فمشهد الإبل على ما فيه من جمال قد يكلفك حياتك. وكم وددت لو أنك معي ولو ساعة من زمان في سوق من هذه الأسواق ، ويالها من أسواق تختلط فيها الشعوب الشرقية جمعاء: من أتراك ويونان بثيابهم الغريبة ومن بدو أشتات في أزيائهم لم تظلهم أسقف أو تضمهم جدران، وهم على هذا جميعا مسلحون، ومن أخلاط متنافرة من المشردين المتسكعين ومن أرسال من النساء المحجبات يمتطين الحمير أو البغال يحرسهن عبيد يمشون في إثرهن سود وبيض وذكور وإناث. يالها من أسواق تتنوع عروض سلعها التي جمعت بين بضاعة الشرق والغرب، ثم ما أدراك بأصحاب الحوانيت في وقارهم وهم جامدون في أماكنهم لا ينزعون مباسم الشبوك من أفواههم ولا ينبسون بكلمة ولا يردون جواب سائل. ولا تظني أن التدخين في مصر قاصر على الرجال وحدهم بل إن النساء في مصر هن الأخريات يدخن في بيوتهن وإن كن لا يستخدمن النرجيلة الشائعة بين الرجال بل يستخدمن نرجيلان أخرى أغلى ثمنا. ولأتركك الآن على تلك الصورة في السوق لألقاك عند عودتي، وعندها ستعرفين الكثير عن القاهرة من يومياتي التي سجلتها تباعا وكذا سترين أجمل مجموعة من الرسوم التي صورت عن الشرق .
 
  المهم أن هذه الرسوم تمثل سجلا نادرا لرحلة ديفيد روبرتس لمصر، ولجنوبها في بلاد النوبة حيث بدأ هذه الرحلة في العام 1837، ثم واصلها إلى الأراضي المقدسة بين عامي 1842 و1844،  بدءا بدير سانت كاثرين في سيناء ومرورا بفلسطين وصولا إلى الشام، اتفق روبرتس مع ناشر (هو فرانسيس جراهام مور) على طباعة لوحات الليثوجراف المأخوذة من الرسوم التي أنجزها خلال تلك الرحلات وأن تصدر اللوحات في كتيب شهري على أن تجلد لاحقا في ستة أجزاء ظهر الأول منها في ابريل 1842 أي قبل 160 عامًا تمامًا. وبعدها بأربع سنوات في يناير 1846 ظهر الكتابان الألبومان، الأول يحمل اسم مصر والنوبة والثاني باسم الأرض المقدسة وبلغ مجموع لوحات الكتابين 248 لوحة .
 
  ومنذ ذلك الحين ورسوم ديفيد روبرتس يعاد طبعها في أكثر من شكل: كتب، تقاويم، بطاقات بريدية، لوحات مستنسخة، وتستخدمه دور النشر باعتباره بضاعة رائجة، وهو ما جعل قسم النشر بالجامعة الأمريكية يقدم هذين الكتابين مرة بعد أخرى، وعندما اقتنيتهما (وقد أضيف إليهما في علبة واحدة كتيب السيرة الذاتية للفنان) هالني أن تتحول يوميات روبرترس التي نشرت في طبعات سابقة مرافقة للرسوم، إلى صياغة جديدة (تسوق) بها الجامعة الأمريكية اسرائيل ضمن كتب الفن، وبجانب كل لوحة مقتطف لروبرتس يدعم المقدمة التي تقول بأن اسرائيل كانت موجودة في ذهن روبرتس!! وقد علمت أن السفير الأمريكي حرص على اقتنائه !
 
  وإذا سلمنا بأن مقدمة (مصر والنوبة) يمكن أن تكون عن تاريخ مصر، فهل من مؤرخ عادل أو فنان نزيه أو رجل دين عالم أو محترف سياسة رشيد أو حتى قاريء بسيط يقبل أن تكون مقدمة كتاب في الفن هو (الأرض المقدسة) ليوميات رسام بالريشة والقلم عن سيناء وفلسطين وسوريا والأردن ولبنان مجرد سرد (مبتدع) لتاريخ دولة اسرائيل؟
 
  من هو ديفيد روبرتس
 
  وقبل أن أنتقل إلى موضوعنا علينا أن نسجل براعة الفنان وامكاناته الباهرة؛ والدقة المتناهية، والحس العالي بالتكوين، والبراعة في الاحاطة بالمشاهد الطبيعية الضخمة، والذاكرة الضوئية التي تجعله أسرع من منافسيه لعدم اضطراره لإعادة النظر مرة بعد أخرى حين (يسجل) المشهد في ذاكرته. فمن هو ديفيد روبرتس؟
 
  ديفيد روبرتس (1796 – 1864) رسام ورحالة اسكتلندي بدأ حياتا نقاشا للبيوت ثم رساما للمناظر المسرحية حين أصبح في 1819 رسام المشاهد الرسمي في المسرح الملكي بجلاسكو قبل أن ينتقل للوظيفى نفسها في المسرح الملكي بإدنبره، قبل أن يطوف بثلاثة أرباع الكرة الأرضية، ويرسم كل ما يقابله، لتطل اليوم لوحاته على العالم أجمع من خلال شبكة الانترنت. وإذا كانت شهرة روبرتس قد بدأت بتسجيله لمشاهد رحلته الأسبانية في العام 1830، مع زميله جون فريدريك لويس، إلا أن رحلته لمصر والشرق الأدنى كانت سبيله لشهرة لم ينلها رسام معاصر .
 
  وأنقل لكم قصة طريفة حدثت للصبي روبرتس عندما كلف بأن يحمل ورقة بنكنوت من فئة الجنيه إلى أحد الأشخاص، لكنه حين لم يجد المرسل إليه، جلس ونقل ورقة البنكنوت بدقة متناهية جعل أمه تصرخ بأنها أنجبت لصا، قبل أن تكتشف موهبة الابن الذي لم يتلق تعليما فنيا، لكنه أصبح أشهر فناني العالم وأكثرهم تداولا .
 
  بداية الرحلة
 
  التقى روبرتس بحنفي إسماعيل أفندي بالقاهرة واتفق على أن يصحبه حتى تخوم أورشليم، ولكنه يلتقي خلال هذه الأيام برحالتين بريطانيين: جينز بيل وجون كينر فيقرر السفر معهما في فبراير  1839 إلى سيناء والبتراء وفلسطين. كانت البتراء قد أكتشفت منذ سنوات قليلة (1812) على يدي المستشرق السويسري يوهان لودفيج بيركاردت، ووصلها الجميع في السادس من مارس من العام نفسه، وقد ترك ترك روبرتس رفيقي سفره  في مدينة غزة ليواصل رحلته إلى المدينة المقدسة، التي أراد زيارة كل أماكنها الدينية: من مسجد عمر، وحتى باب الشام، وسجل كل ذلك بالألوان المائية والزيتية ولوحات الليثوجراف .
 
  وقد قام روبرتس خلال زيارته برحلة مع حاكمها حشمت أغا حين كان يرعى قافلة حجاج مسيحيين إلى نهر الأردن خلال عيد الفصح، وزار خلالها البحر الميت، وبيت لحم، وبحيرة طبرية. وبعدها ينطلق إلى بعلبك في لبنان قبل أن يصل بالميرا عائدا إلى بيروت حيث أبحر عائدا لوطنه في 13 مايو 1839 بعد غياب 11 شهرا وقد أنفق على نقل لوحاته بالحفر لألواح الليثوجراف مبلغا كبيرا 3 آلاف جنيه استرليني .
 
  يبلغ عدد صفحات الكتاب الأول مصر والنوبةEgypt & Nubia  288 صفحة، خصص الناشر منها لتاريخ مصر عشر صفحات فقط (من صفحة 18 حتى صفحة 27) بينما يبلغ عدد صفحات الكتاب الثاني الأرض المقدسة   The Holy Land  320 صفحة  خصص الناشر منها لتاريخ (اسرائيل) 44 صفحة! فماذا كتب في المقدمتين؟
 
  المصحف والسيف
 
  تركز مقدمة الكتاب الأول على زيارة هيرودت إلى مصر كأول تأريخ حقيقي للبلاد، التي (سقطت من عليائها تحت حكم الفرس) كما تقول كلمات صاحب المقدمة. وكيف أن (كراهية قمبيز في العام 520 قبل الميلاد لشعب وادي النيل دفعته لتدمير كثير من آثار مصر) بل تستطرد المقدمة في ربط سجلات الاكتشافات الأثرية في مصر بشعب اسرائيل (ص 19 )
 
  وأن تاريخ مصر المبكر بعد الغزو الفارسي بقيادة قمبيز (لم يكتب إلا بلسان أمم أخرى)!  وأن مصر بعد (أن أصبح المقدونيون أسيادها، وحين حكمها قيصر كانت مجرد مقاطعة بعيدة تمثل على الأغلب ساحة للصراع من أجل الاستقلال أو مسرحا لتحالف القوى للفوز بأرضها وحكومتها)! وأن المسيحية (لم تنجُ إلا على يد نفر من الأقباط بقوا أحياء جنوب مدينة إسنا) لأن (خصومة وسلطة أتباع محمد (يقصد صاحب المقدمة هنا أتباع النبي صلى الله عليه وسلم) أخمدت نظرياتنا واقتلعت أساتذة ديننا (يقصد صاحب المقدمة هنا الدين المسيحي)!! صفحة 20). ولأنه حيثما حل شعار (المصحف والسيف بسلطته أصابت الدونية الجنس البشري وغرق المجتمع في مستنقع البربرية ولم تكن هناك أدنى فرصة لأن يسمو على بربريته.. (هكذا يقول صاحب المقدمة في تقديمه لتاريخ مصر صفحة 21)!! أما البلاد (تستكمل المقدمة في الصفحة ذاتها) التي خصها الله بجناته فقد أصبحت مجرد صحراء جرداء بعد أن أوقعها سوء طالعها في أيدي المسلمين أتباع محمد الذين أباحوا لأنفسهم لحكمة إلهية غامضة أن يصبوا جام فسادهم أينما حلوا في الأرض التي نشأ فيها ديننا وفي البلاد التي أعلنته وشرعته دينا رسميا لها !!
 
  هل أتساءل عما يمكن أن تعنيه هذه الكلمات عن تاريخ مصر لكتاب يصدر في مصر ويوزع في مكتباتها العامة أم أن صدوره بالانجليزية يعني أن هذه (البضاعة) ليست لأهلها، وأن عليهم أن يباركوا ما تنشره الجامعة الأمريكية وأن يفرحوا بإصداراتها لأنها (عن مصر)، ولكن لم تنته المقدمة، والآتي أكثر مفاجأة !
 
  أنه بالمقارنة بين المعابد المصرية واليونانية (صفحة 25) نجد الثانية ذات جمال أخاذ عكس الأولى التي تتخذ من الرسوم والأعمدة والطرق المحفوفة بتماثيل أبي الهول مجرد تكئة لزيادة الاثارة حول القداسة الممنوحة للآلهة!! وتختتم المقدمة بهذه الكلمات (صفحة 27): منذ عصر هيرودوت يتواصل التاريخ المكتوب عن مصر وصولا إلى حالها المزري اليوم المدموغ بالجهل بينما الأمم الأوروبية في أفضل عصورها التنويرية !
 
  وإذا كانت هذه المقدمة تعود لمائة وستين عاما مضت (وهو ما لا يشار إلأيه في أي موضع)  فلماذا وضعت كأنها مكتوبة اليوم؟ وإذا كانت المقدمتان وضعتا قبل 160 عاما فلماذا كان عنوان المقدمة الثانية : اسرائيل؟ وماذا كتب فيها؟
 
  أول القصيدة
 
  في الكتاب الثاني (صفحة 18) تبدأ المقدمة هكذا: تاريخ اليهود في العالم هو الأكثر تميزا والأفضل أهمية والسخي إبداعًا!! لأن الله وهب هؤلاء البشر وحدهم نعمة معرفة الخالق القهار والثقة في أن يحافظوا على تلك المعرفة خالية من أي إثم أو شائبة، فيما كانت الأرض ترزح تحت أغلال الوثنية!! (علامات التعجب دائما من عندنا ).
 
  وأنه في العالم الوثني (كان الدين مجرد لفائف من العادات والتقاليد دون سلطة أو تأثير.. ولكن في النظام اليهودي كان الدين عماد الوجود الوطني والمحرك الرئيسي لآلة الدولة كلها، من وزرائها المتقلدين أعلى المناصب حتى عامة الشعب)!! هذه أول القصيدة !
 
  وفي صفحة (19) تتجلى بلاغة صاحب المقدمة: في المعارك ننهزم أو ننتصر، وفي الغزوات نحصل على ما نريد، والجزاء الوطني في أعمق معانيه يرتبط بالثورات التي تميز أمل إسرائيل! وفي صفحة (20): بالنسبة إلى ابراهيم مؤسس هذا الجنس البشري، منحت نبوءته المسار حتى نال أسلافه حريتهم من مصر !!
 
  وفي صفحة (24) وأصبح الاسرائيليون مستعدين للوصول إلى فلسطين من أقصر الطرق المباشرة فانطلقوا إلى البرية، لكن فعلا عصيانيا جعل رحلتهم تمتد إلى أربعين عاما، وحلت المعجزة، ففي قلب منطقة ليس فيها إلا الصخور والرمال، حيث لا تجد قبلائل العرب المترحلة الماء إلا نادرا، توثقت القبائل الاسرائيلية الاثتنا عشرة بقطعانها، واستبدل طعام مصر الذي لم يكن يأتي سوى بالعمل الكادح بطيبات تنزل من السماء !
 
  وفي صفحة (27) إنه الشعب (اليهودي) الموهوب، المشرف، المكرم، الذي يجب أن يعلو على ما سواه وأنه إذا حدث له سوء يجب أن نشعر بالعار والأسى يكبل أيدينا وأن تتضع رؤوسنا حتى يغمرها التراب، متعجبين من ضعف  البشر! أما في صفحة (44) علينا أن نركع للخالق الجبار الذي كان الدرع الواقي لآباءهم والذي نصرهم رغم ما عانوه من تيه، ولم ينس أبدا شعبه المختار: اسرائيل !!! وفي صفحة (57): سيخلد اليهود، وسيعودون من قبورهم، بطبيعة تناسب مسارهم الجديد الذي يصل بهم إلى أسمى درجات الوجود. وستنشأ مملكتهم. في أي شكل ستأتي وحدها الرغبة المتعطشة ستمنحها التعريف اللازم !
 
  انتهت الجولة السريعة بين المقدمتين، اللتين تعيدان تخطيط تاريخ المنطقة وفق هوى خاص، وباسم ديفيد روبرتس يتم شطب تاريخ فلسطين، في كتاب يصدر في مصر. فمن المسئول؟

 

صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2003

سيرة ذاتية
دواوين شعرية
كتب
روايات
كتب الأطفال
ترجمات
فيديو
مدونة

 

 

تصميم واخراج بلال بصل \ تصميم الشعار موفق بصل \ جميع المواد المنشورة في هذا الموقع تعود حقوقها للمؤلف