1

حكاية فنان عمره خمسة آلاف عام، المجلس الأعلى للثقافة، 2005

كتب الأطفال
 

نص كتاب : حكاية فنان عمره خمسة آلاف عام!

اسمي حوني!
ولدت سنة 2730 قبل الميلاد!
زمن طويل؟ نعم.
إنه يشبه خطا مستقيما طوله حوالي 5000 سنة!

يأتي الصَّباحُ فيوقظني أبي لأذهبَ معه في رحلتِه الصَّباحية اليومية إلى عمله.
إلى أين يذهب؟!
إذا عرفتم أنه رسامٌ، فستدركون على الفور أنه متجهٌ إلى المقابر الملكية!!
كان الرسامُ قبل 5000 عام في مصر القديمة يعمل في مقابر الملوك، ومقابر كبار رجال الدولة.

 

حين يصبح الفرعون ملك البلاد في مصر القديمة، يبدأ في التخطيط لبناء مقبرة كبيرة تليق به. في المقبرة، وبعد وفاته، وكما كان المصريون القدماء يعتقدون، سيرتاح الملك بعد موته، حتى يبعث إلى الحياة مرة أخرى. ولذلك عليه أن يعد المكان لاستقباله بعد البعث. وعليه أن يجهزه بكل ما يحتاج إليه في الحياة الأخرى.

أمر الفرعون وزيره باختيار أفضل رسام في دير المدينة. وقد رأيت الوزير وهو يأتي إلى قرية الحرفيين والرسامين ليختار الأفضل. أبي كان أحد هؤلاء، بل وطلب منه الوزير ـ بعد أن رأى رسومه على ورق البردي ـ أن يكون رئيس الرسامين. وصار واجب أبي أن يختار أفراد الفريق الذي يعمله معه، ويخطط التصميم الذي سيعرض على الملك، قبل أن ينفذه الرسامون على جدران وأعمدة المقبرة.

كان واجبي أن أكون بجانب أبي، أحضر له الطعام، وأناوله الفرشاة، أو أمسك له باليتة الألوان، المصنوعة من حجر الصوان، وبداخلها تجويفات لوضع الألوان. وكنت أنظر بفرح وفخر إلى يد أبي حين يصحح ـ بمهارة وسرعة ـ الرسوم الأولية على الجدران، قبل تلوينها.

كانت معظم جدران المقابر غير صالحة للرسم المباشر فوقها. لذلك كان هناك عامل أو أكثر مهمتهم إضافة طبقات لهذه الجدران حتى يبدأ الرسم؛ طبقة من الصلصال، أو طبقة من الطين الممزوج بالقش، وبعدها طبقة من الجص، ثم الطلاء باللون الأبيض أو الأصفر، ليبدأ حين ذلك رسم المناظر المطلوبة.

يجهز أبي الرسم الأصلي على ورق البردي، ويحاول الرسامون استخدام مهاراتهم لنقل الرسوم بدقة إلى الجدران والأعمدة، مع الأخذ في الحسبان أن جدران المقابر ليست صفحة مستوية مثل ورقة البردي.

أشرف والدي أيضا  على مهمة صنع الألوان المائية الطبيعية.

كانت الألوان الأساسية هي العاجي الأحمر وهو أكسيد الحديد الطبيعي، والعاجي الأصفر وهو الأكسيد نفسه بعد معالجته بمزيج السوائل. ومن الأزوريت، أحد مشتقات النحاس، كان يُصنع اللون الأزرق، وكربونات النحاس تعطي اللون الأخضر. النحاس خامة أساسية في الألوان، وكان من السهل الحصول على مشتقات هذا المعدن في مصر وشبه جزيرة سيناء.

يعمل فريقان داخل المقبرة ظهرا لظهر، أي أن المقبرة تنقسم إلى جهتين وكل فريق يرسم في الوقت نفسه، حتى ينتهي الجزء بعد الآخر. ورغم درجة الحرارة المرتفعة في الخارج، التي كانت تصل إلى أكثر من 45 درجة في الصيف، فإن درجة الحرارة في داخل المقبرة كانت بين 22 درجة و25 درجة. وحين يشتد الظلام في الأركان تضاء المشاعل. كنت أحمل المشعل لأبي، حتى يأتي الغروب فتنتهي ساعات العمل، ونعود إلى البيت. وهكذا تتكرر رحلة كل يوم حتى يكتمل العمل الفني ويتم تزيين المقبرة الملكية.

مثلما كان أبي يحب الرسم ، كنت أحب النحت. وكثيرا ما شكلت من الطباشير الجيري والطمي اللين أدوات وتماثيل صغيرة. حين رأى والدي رغبتي الشديدة في تعلم هذا الفن المصري الخالد أرسلني إلى عمي. كنا نعيش قرب وادي الملوك في جنوب مصر، وكان عمي يعيش مع زوجته الجميله وأولاده الطيبين في مدينة منف، التي كانت تسمى سنة 2778 أيام حكم الملك زوسر بميزان القطرين، لأنها كانت في أول المسافة بين الشمال والجنوب، تماما عند قمة دلتا النيل.

كان الملك زوسر قد أنشأ هرمه المدرج، وأسس منطقة سقارة، وهناك انضممت إلى ورش فن النحت والرسم الكبرى. وأشعر بفخر كبير أنني عشت حتى شاركت في بناء هرم خوفو الأكبر على هضبة الجيزة.

شهدت وأنا صبي عملية نحت تمثال الملك زوسر، وهو يرتدي ثوبه الملكي، ويعتلي عرشه المكعب الشكل، وظللت أياما أراقب اكتماله، بعينيه المرصعتين، ووجهه المثلث، ولحيته الطويلة، ووجنتيه البارزتين، وقد استفدت كثيرا من دروس عمي ومعلمي، الذي اعتبرته مثل والدي فنانا ماهرا.

وكان من أجمل ما نحت عمي تمثال وزير الملك خفرع، عنخ جا إف. كان عنخ جا إف زوج ابنة الملك ومدير أعماله، وقد طلب من عمي، بعد أن عرف مهارته، أن ينحت له تمثالا. واختار عمي خامة الحجر الجيري اللينة، وبارتفاع 51 سنتيمتر شكل البورتريه  النحتي البديع ، بالأنف المستقيم والرقيق، والفم العريض، والملامح الدقيقة الهادئة، والرأس بشعره المصبوغ، والجفون السميكة، والعيون الغائرة.

كانت هذه التماثيل الخاصة، انعكاس لحالة الفن المتقدمة في مدينة منف، التي أقيم بها أول جاليري في التاريخ. فمعظم الأعمال النحتية التي أنجزها عمي وزملاؤه الفنانون كانت توضع للعرض في البلاط الملكي، قبل أن ينقل بعضها إلى المقابر.

ولكنني اهتممت يا أصدقائي بنحت تماثيل الرجال والنساء العاديين. وكثيرا ما نحتُّ أثناء أوقات فراغي تماثيل وأهديتها لناس بسطاء ليضعوها في المصاطب: تماثيل لخادمات  يؤدين مهمات الخبز والعجن وطحن الحبوب. وذات مرة صنعت تمثالا لرجل يعمل الفخار، وآخر لرجل يصنع العصير. ولأنني كنت أحب الفكاهة والدعابة، فكثيرا ما أضفت لمحات تجعل من يشاهد أعمالي يبتسم.

وإذا كنت أميل للفكاهة قليلا، فقد كان ابن عمي رساما كاريكاتوريا، فكان يرسم مواقف مليئة بالسخرية الشديدة، حتى أننا كنا نضحك كثيرا كلما تذكرنا رسومه. وكان يحتفظ بأوراق بردي بها الكثير من الرسوم الكاريكاتورية التي تزيل بمرحها تعب اليوم حين نراها أثناء وجبة العشاء.

لقد انتهيت من يومياتي وتركتها مكتوبة على أوراق البردي لأحفادي الذي أوصيتهم أن يكملوا حكايتي. حكاية رسام عمره خمسة آلاف عام.

لا شك أن الفن يجري في عروق أسرتنا مجرى الدم. فقد كان جدي الأكبر رساما، وأصبح جدي الكبير نحاتا، أما جدي لأبي فقد عمل رساما كاريكاتوريا. وحين أسلم لحفيدي هذه الأوراق فإنما ليكمل رحلة الفن التي بدأ كتابتها الجد حوني.

والجديد في الرسوم التي أضافتها الأجيال التالية لجدي الكبير حوني، هو رسوم تلك المشاهد العسكرية، للحملات الحربية التي قام بها الملوك الفراعنة، ردا على الأعداء. وفي أغلب هذه الحملات المدافعة عن أرض الوطن كان الرسامون يذهبون لتسجيل صور المعارك، ومشاهد الانتصارات، ومجموعات المحاربين الأجانب الذي يصحون أسرى، مع كل ما يمتلكون.

لكنني أحدثكم أيها الأصدقاء أن الحروب  لم تكن وحدها الأمر الجديد في الرسوم التي تزين المقابر في مهنتنا الفنية. فعلى السقف كنا نسجل بعض المناظر الفلكية؛ مثل درجات دائرة البروج، والنجوم، وكواكب عطارد والمريخ، ومجموعة الدب الكبير، والنجم القطبي. ودوائر الشهور الإثنى عشر. ومن بين كل هذه النجوم كان يظهر حورس، والملكة حتشبسوت القوية التي شيد لها زملاءنا الفنانون في الجنوب أعظم الآثار: متحف الدير البحري.

وإذا كان أبي قد شارك أمهر الفنانين في تزيين مقبرة الملك توت عنخ آمون، وهو الذي رصع بالعاج والأبنوس أحد الصناديق الثمينة لهذا الملك الشاب، فإن من أحفادي من عاد إلى الجنوب ليشارك فيما بعد في رسوم مقبرة رمسيس الثالث، وبها مشاهد تحضير الأغذية، من الخبيز، وتقديم القرابين لآلهة الحقول والغلال، ومشاهد عرض الأسلحة والمعدات، والمركبات الحربية، والأسلحة المحمولة من سيوف وخوذات ودروع، وعازفي القيثار الذي يهدي ألحانه للآلهة.

بفضل فنون عائلتي التي كانت تنتمي للطبقة الوسطى، ككل الفنانين، استطعنا أن ننقل صورة حياتنا الفرعونية اليومية، في الحدائق وفي الحقول، في البيوت وفي المعابد، في القصور، وفي ساحات المعارك.

كتب لي حفيدي رسالة على ورق البردي حملها لي صديق يزور والده، وكنا في العام الثامن من حكم الملك رمسيس الثاني. كان الملك يوجه كلمة للفنانين الذين يسجلون حياته بالفن رسمًا ونحتًا، وكان من بينهم حفيدي النابه، الذي حفظ كلمات الملك، وكتبها على سبع لفائف بردي، وأرسلها لي، لأنه اعتقد أنها كلمات تكرم كل فناني مصر:

أيها الحرفيون المتميزون الأقوياء، إنني أعرف مدى مهارة أيديكم، التي صنعت من أجلي الكثير من النصب والمنشآت، أنتم يا من تحبون معالجة الأحجار الثمينة المختلفة والمتباينة الأنواع، وتخترقون أحجار الجرانيت، وتبدعون بالحجر الصوان، أيها الشجعان الأقوياء البأسٍ، خاصة وأنتم تشيدون المباني والمنشآت، وبفضلكم، سوف أتمكن من زخرفة كافة المعابد التي أقمتها، وعلى مدى الدهر أيها المقاتلون البواسل الذين لا تعرفون معنى الكلل، يا من تسهرون على سلامة العمل خلال فترة إنجازه، وتؤدونه بعزم وفعالية، أنتم يا من ينطبق عليكم هذا القول: اعملوا، وفقا للتخطيطات، وأنتم يا من تتوجهون لجلب الحجر من الهضبة المقدسة، لقد عملت بما كنتم تقولونه لبعضكم بعضا، ولن أبخل عليكم بعطائي ومنحي، وسوف أقرن الفعل بالقول.

وتستمر الرسالة التي يقول حفيدي أن الملك أمر بنقش كلماتها على لوحة ضخمة وضعت بمكان ظاهر في منطقة هليوبوليس:

هاأنذا رمسيس الذي يحبه آمون، أنا الذي يتيح الفرصة أمام الأجيال الحديثة لكي تنمو وتتطور، وتوفر لها سبل الحياة. سوف تقدَّم لكم الأغذية والمأكولات، ولن تفكروا في طلب المزيد منها. وسأعمل على سد متطلباتكم بكافة السبل، وهكذا ستعملون من أجلي بقلوب عامرة بالحب. إنني الراعي القوي الشكيمة لمهنكم والمدافع عنها، وستكون كميات الطعام بين أيديكم أكثر ثقلا من مهامكم،  وبذا ستنعمون في حياتكم بكل الازدهار. من أجلكم ستمتلئ المخازن بالغلال حتى لا تحرموا أبدا من الغذاء المقوي للجسد، وسيحظى كل منكم بمؤن تكفيه شهرا كاملا. وقد أمرت أيضا بملء المحال بكل شيء: خبز، ولحوم، وفطائر من أجل وقايتكم من براثن الجوع، وسأملأها أيضا بالنعال والملابس، والكثير من الدهانات  العطرية، لتضمخوا بها رؤوسكم كل عشرة أيام، وترتدوا الملابس الجديدة في كل عام. ومن أجلكم أيضا وبدون توقف، سوف تعبر السفن عباب النهر من مصر العليا نحو الدلتا، ومن الدلتا إلى مصر العليا، وقد شونت بحمولات من الشعير والحنطة والقمح والملح والبقول، بكميات لا تحصلا ولا تعد.

وقد سعد الفنانون بهذه الرسالة الملكية، واحتفلوا بها في دير المدينة، في إحدى قرى الحرفيين والفنانين التي أنشأها الملك رمسيس الثالث على ضفاف مدينة طيبة.

مرت سنوات وسنوات، وقد اجتمعت لفائف البردي التي تحفظ حكاية رسام عمره خمسة آلاف عام في صندوق مع فرع عائلة جدي الذي اتجه للحياة في الفيوم، شمال مدينة طيبة، وهناك تخصص وعمل بجد في صناعة التوابيت وزخرفتها، وتزيين وجوهها.

وبسبب حب الفن، استمرت العائلة، جيلا بعد جيل، وحفيدا بعد جد، في ممارسة الرسم،  والنحت، وصناعة الصناديق والأدوات التي توضع في المقابر.

وفي الفيوم كانت تعيش عائلات من البطالمة. كان البطالمة وأفراد عائلاتهم والحاشية يودون أن يزينوا بيوتهم بلوحات تبرز شباب وحيوية الرجال، وجمال ورقة النساء. وقد برع أفراد عائلتي في ذلك الفن براعة كبيرة.

حين وصل أفراد عائلتي الرسامون إلى الفيوم كان ذلك في العام 40 قبل الميلاد، وكان ذلك الفن، فن رسم الوجوه، بسيطا جدا. كانت المدينة وما حولها تضم عائلات من مختلف الأماكن، ومنهم الرومان، الذين كانوا مختلفين عن الفراعنة المصريين القدماء. فكانوا ـ بدلا من أن يستخدموا أقنعة على وجوه المومياوات ـ يفضلون أن يرسموا وجوها حقيقية خلال حياتهم، ثم يختار الأهل أن يضعوا اللوحة في القبر مع الراحل، أو يتركوها في بيتهم، تذكرهم به.

وكان رسم وجوه الفيوم يتم بالألوان اللامعة المخلوطة بالبيض أو الغراء (الصمغ). لكن أمهر رسام في عائلتي ابتكر طريقة أخرى: الرسم بالألوان بعد تسخينها. وكانت هذه الطريقة الجديدة بديعة جدا، تحتفظ بحيوية الألوان لزمن طويل، وهي طريقة أعجبت الكثيرين، وازدهت الألوان الشمعية الجميلة بعد تثبيتها على لوح الخشب، الذي يكون صغيرا نحو30 سنتمتر طولا، أو كبيرا فيصل إلى نصف المتر.

والمؤسف أن العمال الذين كانوا يضعون هذه اللوحات الخشبية على وجوه المومياوات في التوابيت كانوا يقصونها لتناسب حجم وجه الراحل، ولذلك تكسرت أطراف خشبية كثيرة تعب الفنانون في رسم الوجوه عليها.

لم ينس الرسامون الذين قلدوا حفيد عائلة حوني الأكبر أن يضيفوا تسريحات الشعر الملائمة، والملابس المناسبة، والحلي الجميلة اللائقة. واستمرت هذه الفنون الجميلة في الفيوم فترة ثلاثمائة عام، ولا أستطيع أن أخبركم ماذا حدث بعد ذلك، لأن آخر فرد من العائلة سافر من الفيوم سنة 270 بعد ميلاد المسيح عليه السلام. وقد اتجه مثل آبائه إلى شمال البلاد، وكان من بينهم من سافر إلى مدينة الإسكندرية، وشارك في بناء  الكنيسة المرقسية، أقدم كنيسة في مصر وفي أفريقيا كلها. وقد استُخدِمت الكنيسة الجميلة للصلاة لأول مرة حوالي عام 62ميلادية مع دخول دين المسيحية التي جاء بها النبي عيسى عليه السلام،  ودخل الدين المسيحي إلى الإسكندرية بوابة مصر الشمالية عن طريق مار مرقس.

ولا أنسى أن أذكر لكم أن الإسكندرية سميت بهذا الاسم تيمنا باسم القائد الذي غزاها في عام في عام 332 قبل الميلاد، وهو الاسكندر الأكبر. وبعد وفاته في عام 323 قبل الميلاد تم تقسيم إمبراطوريته بين قواده، فكانت مصر من نصيب بطليموس الذي أسس أسرة البطالمة.

وقد حكم ملوك هذه الأسرة  البطلمية قرابة ثلاثة قرون، من 323 ميلادية إلى سنة 30 قبل الميلاد، حتى أصبحت مصر بعد ذلك جزءاً من الإمبراطورية الرومانية. واستمر حكم الرومان لمصر إلى أن فتح القائد العربي عمرو بن العاص مصر في الفترة من عام 641إلى 642 ميلادية. وكانت مدينة الإسكندرية المزدهرة هي عاصمة البلاد، حتى أنشأ  عمرو بن العاص مدينة الفسطاط.
 
 انتقل حفيد عائلة حوني الأكبر إلى الزخرفة وصناعة الصناديق، وهي إحدى مهن الفن الخالدة، يعلمها أولاده وأحفاده. وكان الفنان حريصا على أن يصحب معه في كل تنقلاته صندوقا واحدا، إنه الصندوق الذي يضم اللفائف الخاصة بحكاية رسام عمره خمسة آلاف عام. وظل يشرح المفردات التي تغيرت، ويكتب بجوار الكلمة الهيروغليفية معناها بلغات العصر، حتى يفهمها الأبناء الذين أرادوا تعلم اللغات الأجنبية، وأهملوا لغة أجدادهم! وكثيرا ما قال لهم:
لن تحبوا هذا التاريخ إذا لم تستطيعوا قراءة المكتوب على الجدران، فتعلموا يا أبنائي لغة الأوطان.

لم يسافر حفيد عائلة حوني الأكبر إلى الإسكندرية، فقد سمع عن نشاط كبير يقام في شرق الدلتا، ومدينة جديدة تقام، أسماها صاحبها الفسطاط، أي الخيمة، نسبة إلى الخيمة التي أقام بها القائد العربي عمرو بن العاص عند دخوله مصر.  وهناك اشترك في  بناء أول مسجد بمصر، بني في قلب مدينة الفسطاط، وسمي باسم مسجد عمرو بن العاص. وبدأت إقامة البيوت حوله. كانت مساحة المسجد صغيرة، بلغت خمسين ذراعا طولا وثلاثين ذراعا عرضا، وصنع جداره من اللبن وأعمدته من جذوع النخل. كان بناء بسيطا على عكس المعابد الفرعونية التي بناها الأجداد.

وأرسل عمرو قوة إلى جنوب مصر حيث عاش أجدادي، فضمها إلى إمارته، وأرسل جيشا آخر إلى الفيوم التي تركتها قبل سنوات، فضمها وما حولها وصالح أهلها، وأرسل جيشا ثالثا إلى دمياط في شمال مصر، وما حولهما، ثم صالح أهل تلك الجهات جميعها وأصبحت كلها تحت راية واحدة هي مصر. ومع دخول العرب بدأ المصريون يدخلون في دين الإسلام، وهكذا نجد أكبر ديانتين في مصر، الإسلام والمسيحية، قد جاءتا على يد فاتحين من خارج البلاد. ومع الدين الجديد تأتي الفنون الجديدة.

لم يسمح الإسلام برسم الوجوه أو الكائنات الحية، بل ومنع فن النحت الذي برعت فيه عائلتنا مئات السنين، لذلك كان علينا أن نستخدم مهاراتنا الفنية في فنون جديدة.

حين رأى المعماريون المسلمون مهارتي في صنع الصناديق الخشبية، كلفوني بصنع المنبر الذي يعتليه الخطيب في المسجد. كما استطعت أن أعلم الكثير من الصبيان والشباب هذه المهنة، وكذلك صنع الدكة الخشبية التي سيجلس عليها قارئ القرآن الكريم.

سنوات وراء سنوات، تمر وأنا أعلم صبياني الفنون الخشبية، وحين زارني صديقي عبد الرحمن أدهشه منظر الصندوق الخشبي العتيق الذي ورثته عن أجدادي الأوائل، وسافر معي من جنوب مصر، وطيبة إلى الفيوم حتى استقر معي في الفسطاط.

فتحت الصندوق لصديقي عبد الرحمن، لأرضي فضوله إلى معرفة محتويات صندوق الفنان المعلم، كما كان يصفني. أعجبته لفائف أوراق البردي، ولكنه دهش لأنه لم يستطع أن يقرأ منها كما استطعت أنا!

كانت أشكال وألوان الحروف الهيروغليفية صعبة على قارئ الحروف العربية، ولم ير فيها عبد الرحمن سوى كتابة طير، أو نكش فراخ. تأملت الحروف الهيروغليفية: بها ثمانون شكلا من أشكال الطيور، وأزهار أهمها اللوتس، وحيوانات برية وأخرى أليفة. كانت الكتابات الهيروغليفية غابة حية من المعاني. وعلى عكس الحروف الهيروغليفية كانت الحروف العربية، رشيقة، وسهلة، ومستقيمة، ولذلك تعلمها أحفادي بسهولة. وقرروا أن يكتبوا بها باقي حكاية رسام عمره خمسة آلاف عام.

حفيدي الأصغر عمر، الذي أسماه والده على اسم خليفة المسلمين، تعلم الخط في وقت مبكر، وصار ينقشه على الخشب، بسهولة ويسر،  كما كان أجداده ينقشون الكتابات الهيروغليفية على الأحجار. تأملت كتاباته الرشيقة وقلت، فعلا يا أيها الفنان الصغير، أنت تنتمي لعائلة جدك الفنان الأكبر، وعلي اليوم أن أستريح، بعد أن اطمأننت إلى أن شجرة الفن ستظل تورق في وطني، وتثمر.

أيها الأحفاد الأعزاء، أدون هنا، في هذه المخطوطة، رحلتي من الفسطاط إلى دلتا مصر. وكنا تركنا في مدينة عمرو بن العاص جدنا الفنان الخشاب الماهر. ومرت عشرات السنين،  حتى جاء أحمد بن طولون واليا على مصر، سنة 868 ميلادية، ليؤسس الدولة الطولونية التي استمرت حتى عام 905ميلادية. وقد أقام قصر الحكم عند سفح  جبل المقطم وأنشأ الميدان أمامه وبعد أن فرغ من تأسيس مدينة القطائع شيد جامعه العظيم على جبل يشكر. ولي الفخر أنني شاركت في بناء هذا الجامع، وهو ثالث الجوامع التي أنشئت بمصر.

غطينا الأروقة الأربعة للجامع بسقف من الجريد وكتبنا على إزار من الخشب آيات من سور القرآن الكريم بالخط الكوفي المكبر. وقد بلغ طول الجامع 138 مترا وعرضه 118 مترا تقريبا. ووضعنا أعلى الجزء الواقع أمام المحراب قبة صغيرة من الخشب بدائرتها شبابيك جصية مفرغة محلاة بالزجاج الملون. وزخرفناه جداران المسجد بزخرفة تشبه مسجد مدينة سامراء، وكانت مئذنته تشبه تلك المئذنة الملوية أيضا.

تمر السنون والآباء ينجبون أولادا فنانين، منهم الخطاط، الذي نرى فنه على محاريب المساجد، وأبوابها، ومنهم الوراق، الذي ينسخ المخطوطات ويزينها، ومنها النحاسون، الذي يصنعون الأدوات النحاسية ويزخرفونها، ومنهم النساجون، والزجاجون، والخيميون، وغيرها من الفنون المهنية التي برع بها الفنانون الحرفيون أحفاد الفنانين.

وحين دخل القائد جوهر الصقلي مصر وضمها للدولة الفاطمية، أنشأ مدينة القاهرة، وفيها أسس جامع الأزهر أول عمل معماري يقيمه الفاطميون في مصر، وقد بدأ جوهر في إنشائه يوم 24 من جمادى الأولى 359 هجرية الموافق الرابع من إبريل 970 ميلادية. ولما تم بناء جامع الأزهر افتتح للصلاة في السابع من رمضان 361 هجرية الموافق 22 من يونيو 971 ميلادية.

وكنا نسمي هذا الجامع في البداية باسم جامع القاهرة، وظلت هذه التسمية غالبة عليه معظم سنوات الحكم الفاطمي. وكان تصميم الأزهر وقت إنشائه يتألف من صحن حوله ثلاثة أروقة، أكبرها رواق القبلة، وعلى الجانبين الرواقان الآخران، وأضيفت مجموعة من الأبنية شملت أروقة جديدة، ومدارس ومحاريب ومآذن، غيرت من معالمه الأولى، وأصبح معرضًا لفنون العمارة الإسلامية منذ بداية العصر الفاطمي.

كانت مهمة الفنانين أن يحافظوا على التقاليد الإسلامية، وفي الوقت نفسه يقدمون أعمالا جميلة. فلا يتعارض بناء المساجد الضخمة مع استخدام خامات بسيطة، من الخزف والخشب والجص والتخطيط عليها أو النقش فوقها. كما أصبحت الأدوات المنزلية تشبه قطع المتاحف، بفضل الزخرفة الدقيقة، ومهارة الصنع والتشكيل. وكان إتقان العمل للفنان المسلم رغبة منه في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو القائل: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه.
والإتقان أصبح ظاهرة في معمار كل مساجد مدينة القاهرة، التي سيطلق عليها فيما بعد بسبب كثرة مساجدها: مدينة الألف مئذنة. ووضح الإتقان الأكبر في تشييد مسجد ومدرسة السلطان حسن، الذي أقيم على مساحة 7906 أمتار مربعة، وهو مفروش بالرخام، وتتوسطه فسقية للوضوء تعلوها قبة خشبية تقوم على ثمانية أعمدة. وبجوار المحراب بابان يوصلان إلى القبة التي تقع خلف المحراب، وهي مربعة طول كل ضلع من أضلاعها 21 مترا، وارتفاعها إلى ذروتها 48 مترا، وبها محراب من الرخام محلى بزخارف دقيقة، وبالجانب القبلي الشرقي المنارتان العظيمتان، ويبلغ ارتفاع كبراهما 81.50 مترا. وقد كتب اسم حفيدنا المهندس الفنان الذي أبدع هذا العمل وهو محمد بن بيليك المحسني بحروف جصية موجودة أعلى إفريز أحد الأبواب بمدرسة ملحقة بالمسجد، وقد بدأ إنشاء هذا الأثر الإسلامي الكبير سنة 1356 ميلادية.

ثم انتقل الحكم في مصر إلى الإمبراطورية العثمانية، ومرت سنوات وسنوات، يتناقل الحكم في البلاد وافدون عليها، حتى جاءت أسرة الوالي محمد علي، التي استمر أفرادها يحكمون مصر لمدة 147 عاما تقريبا بدءا من عام 1805، إلي عام 1952 ميلادية.

وكان العثمانيون قد اختاروا آلافا من أصحاب الحرف والفنانين ليسافروا إلى عاصمة إمبراطوريتهم، حتى يشاركوا فناني العالم الإسلامي في بناء وتعمير وتزيين عاصمتهم الأستانة، أو استنبول. بعض أقاربنا أخذوا إلى هناك، ومن بقي منهم توزع على مدن مصر المحروسة، لكن بقي الكثير في العاصمة الكبرى القاهرة.

وبدأ التفكير في إنشاء متحف للفن الإسلامي لوضع الآثار التي أنجزها الفنانون المسلمون فيه، وذلك منذ سنة 1892ميلادية. والزائر لمتحف الفن الإسلامي بالقاهرة يجد الثريات، ومنابر المساجد، والسيوف، والمشغولات الفضية والذهبية، والمصاحف، والدروع، وغير ذلك من التحف النادرة بالإضافة إلى مجموعات من الأطباق والصحون، والأباريق، والخناجر، واللوحات الفنية، وكلها ذات نقوش وزخارف ورسوم آية في الجمال التي تمّ جمعها من مصادر مختلفة.
وحين بدأت البعثات العلمية والفنية إلى الخارج في عهد محمد علي، كان بعض أحفادنا في هذه البعثات، ومنهم من التقى وعاش مع زملائهم الفنانين المصريين الكبار مثل النحات محمود مختار الذي ورث بذرة الفن من أجداده الفراعنة، النحاتين العظماء، ومن أجمل أعماله تمثال نهضة مصر.

استقبلت أوربا أبناء مصر الفنانين، عاما بعد عام، ومنهم من استقر هناك، ومنهم من عاد للتدريس في مدرسة للفنون الجميلة  التي أنشأها سنة  1908ميلادية الأمير يوسف كمال، وهو من أحفاد والي مصر محمد علي وكان محبا للفنون الجميلة. وقد خصص الأمير الفنان يوسف كمال دخلا سنويا كبيرا يكفي لتدريس وتعليم مائة وخمسين تلميذًا بمدرسة للفنون الجميلة، يكون الثلثان منهم من المصريين، والثلث من الأجانب، بدون التفات إلى الجنسية والدين، ويكون تعليمهم مجاناً - بغير استثناء- العلوم العصرية، ومنها فن الخطوط العربية، والنقوش البارزة، وأشغال العمارات، والتصميمات والرسومات وغير ذلك.

وكان يقوم بالتدريس مدرسون من فرنسا وإيطاليا، وتمنح ميدالية برونزية لكل من الطالب الأول والثاني من الناجحين بالفرقة النهائية، مكتوب على أحد وجهي الميدالية: إنَّا فتحنا لك فتحًا مبيناً، وعلى الوجه الآخر: تذكار من الأمير يوسف كمال. وقد جعل الأمير الدخل المخصص للمدرسة سنة 1927 ميلادية لصالح إرسال بعثات علمية من المائة وخمسين طالباً ليتعلموا الفنون الجميلة في جامعات فرنسا.

 

حتى أن الفنانين الذين لم يرسلوا في بعثات فنية تعليمية، حرصوا على زيارة بلدان أوربا، والتجول بها، لرؤية متاحفها، وإذا ذكرت لكم عشرات الأسماء التي أتذكرها الآن، فاعذروني إذا نسيت، لأنها كانت رحلة طويلة، وأنا أتذكر رحلة رسام عمره خمسة آلاف عام.

وحين أذكر رسامي الكاريكاتير اليوم، أتذكر أيضا أنهم أحفاد للرسامين الساخرين الأوائل، الذين أضحكونا قبل خمسة آلاف سنة.

وقبل أن أودعكم، بعد أن انتهت حكايتي، لا أنسى أن أهديكم باقة من رسوم الفنانين الذين قدموا لكم يا أبنائي خلال خمسين سنة، عصارة حياتهم، وفنهم، فعاشوا في وجداننا. إنهم رسامو الأطفال، صانعو المستقبل.

 

   
 

 

سيرة ذاتية
دواوين شعرية
كتب
روايات
كتب الأطفال
ترجمات
فيديو
مدونة

 

 

تصميم واخراج بلال بصل \ تصميم الشعار موفق بصل \ جميع المواد المنشورة في هذا الموقع تعود حقوقها للمؤلف