الطريق الى شماوس روايات

ربما أكون قد سمعتُ باسم "شماوس" مرتين أو ثلاثا قبل أن أقرر الذهاب إلى هناك. لم تكن المسافة إليها كبيرة، قدر غرابة الحكاية التي قادتني نحوها.

كانت حرارة الربيع تبشِّرُ بصيفٍ قاس، وقد تكاسلت أمامي السطور على شاشة اللاب توب، وتباطأت، حتى توقفت، ولم يأتِ ذلك الجفاف إلا بعد أن تعاقدتُ على نشر روايتي الأولى! قال لي صديقي "ستجد في حارات شماوس ألف رواية ورواية".

هكذا انطلقت جنوبًا على الطريق المؤدية إلى حي المعادي، بموازاة نهر النيل، حتى عبرت مجموعاتِ الأحياء التي تناثرت عمائرها بعشوائية على اليسار، تغلق السماء أمام العابرين والمسافرين، طمعا في توفير ثقب لساكنيها يرون عبْره النيل، أو ما تبقى منه. عمارات في أغلبها ميتة لا يسكنها أحد، ولكنها وجدت لكي تسد عين الشمس عن الأحياء.

بعد مرور نحو الساعة، وحسب الوصف تمامًا، وجدتُ الطريق إلى شماوس. هبطتُ بالسيارة عن السكة الأسفلتية، لأقودها بمحازاة الفدادين القليلة التي تسبق بيوت شماوس. وحين عبرت المدخل الترابي الواسع، الذي يشبه ميدانا بدون إشاراتٍ مرورية، إكتشفت أن علي تَرْك السيارة تحت أقرب شجرة، لضيق الحارات الداخلية. استفسرت عينا حلاق كان يرش الماء عن سر قدومي، وكان عليَّ أن أطمئنه، وربما أجد عنده خيط الحكاية الأول.

هكذا سلمتُ عليه، ودخلت وقد عرفته بنفسي، فقال لي مجاملا أنه يقرأ المجلة التي أكتب بها أسبوعيا، وخاصة مقالاتي في السياسة. وتعجبت، فالمجلة شهرية، كما أن آخر مرة كتبت فيها عن السياسة أو حولها، كانت أيام الجامعة، وقد باعدت الأيام بيني وبين السياسة، بالشغل حينا، وبالإنشغال حينا، وبالهم والنكد أحيانا أكثر.

سألته عن سبب التسمية، فأجابني، وكأنه كان يستعد للسؤال منذ خمسين سنة: "والله يا أستاذ أنا نفسي محتار أصدق من ولا من في حكاية الإسم. يعني مرة قالوا اسم فرعوني: شام.آو. أوس. ومرة قالوا إن اسم العزبة على اسم أم صاحبها؛ واصل باشا. ومرات كثيرة يقولون أن الشماسين في كنيسة السيدة ماريا كانوا يسكنون فيها قبل العمار".

ويبدو أن الرجل لمح علامات عدم الرضا على وجهي، فأضاف:

"لكن لو حضرتك تسأل الأستاذ معروف الجندي، تلقى عنده الإجابة الكاملة. وعِينا كلنا وهو كبير. ربنا يعطيه الصحة. لا تتعب نفسك بالبحث عنه. أنت تشرب قهوتك وتجده عندك. لأنه يمر ببيوت العزبة كل يوم. عادة قديمة، ربنا لا يقطع لك ولا لنا عادة".

قبل أن تكتمل النصف ساعة، وجدت رجلا جاوز الستين، بما تنبيء به خطواته الثقيلة وشعر لحيته الأبيض. كان يتكيء على عصا من العاج الأسود ويغطي رأسه بطاقية من الصوف ذات نقوش مطرزة يدويا. وبعد تقديمي إليه سارع الحلاق فسحب كرسيا من داخل المحل، وعلا صوته وهو يرحب بالرجل العجوز:

"والله نورتنا يا أستاذ جندي، ولازم أشكر الأستاذ أنه أتاح لنا فرصة جلوسك معنا"

وفسر لي الحلاق سر ما قال:

"أصل الأستاذ الجندي يمر بنا يلقي السلام، ولا يجلس إلا أمام بيته. ربنا يكرمه ويعطيه الصحة".

قال لي الجندي:

"في سنة 1911 يعني قبل مائة سنة أو أقل بقليل، كانت المنطقة عبارة عن سراي كبير لواحد من الأتراك، وحوالي خمسة عشر فدانا من هنا للنيل، شغال فيهم سبعة أو ثمانية عشش طين لمجموعة من المزارعين. سنتها نزل من الصعيد رجل اسمه واصل باشا، قال لي والدي الله يرحمه، أنه جاب حُجة السراي، وادعى أنه اشتراه بفدادينه. وزي ما البيت أصبح ملك واصل باشا، الأرض والفدادين والناس الشغالة عليها انتقلوا للشغل عند المالك الجديد. وكم سنة، ولقينا كم واحد من عائلة واصل باشا توزع الأرض بينها. وآخرهم جاء من حوالي ثلاثين سنة وبنى الفيلات الثلاثة على نهاية الأرض الزراعية. طبعا الناس استنكرت أن الأرض تزرع فيها حجر وأسمنت وحديد مسلح، بدل القطن والموالح والنخيل. لكن ما كانوا يستنكرونه في الماضي، أصبح اليوم عادة. وأقدر أقول لك إن فدادين العزبة تآكلت للنصف. ومن يعرف إن كان أحفادنا سيلحقون اللون الأخضر أم لا".

أخذ معروف الجندي رشفة من فنجانه واستطرد:

"كان الناس هنا مجرد فلاحين، لكن ذلك كان من مائة سنة، لأن الجيل التاني لم يشأ أن يورِّث الفلاحة لأولاده، خاصة وأن الأرض بسبب التجريف لم تعد تكفي الجدود والآباء والأحفاد. المهم، ولا أطيل عليك، بدأ الشباب يعرفون السكة إلى الضواحي القريبة على أطراف القاهرة. وقدر واحد يشتري سيارة يؤجرها بين العزبة والمعادي. ودخل الأولاد المدارس، ولم تبن المدرسة الوحيدة في البلد إلا في الخمسينيات، مع فورة التعليم المجاني في مصر كلها. والعزبة الآن أصبحت تلم، يعني البوابون في فيلات المعادي من هنا، والعتالون المتسكعون في محطة مصر من هنا، والفلاحون الذين لا يزرعون من هنا، والجديد أن سكة الخليج انفتحت، ورجع من سافر يجرف أرضه، ومرة يطلعها مزرعة فراخ، ومرة يقوم بها صناديق أرانب، ألف مشروع ومشروع، إلا الزراعة، حتى من ظل يزرع اختار الموالح والبطاطس، وهي أسهل طريق لتوريد الإنتاج للمصانع التي تبيع قشور البطاطس في أكياس، ورواسب الفاكهة في زجاجات!"

مد معروف الجندي بصره وكأنه يتذكر سؤالي الأول عن سر الإسم:

"طبعا الناس هنا، زي أي تجمع، ستختار التفسير المريح لها، يعني أكيد سمعت تفسيرات الأسطى مختار، ولكن أنا سأقول لك الخلاصة".

رفع معروف الجندي آخر رشفة في الفنجان، ومررها على لسانه، وكأنه يستخرج منها التفسير:

"قبل مجيء واصل باشا، من الصعيد الجواني، كانت الأرض كلها مثل الجنة. يعني تمشي تحت نخيلها وشجرها فلا تجد إلا الظل. وما كانت الشمس تمر إلا قليلا. وطلعت اللفظة "شماوس" وكأنها تصغير لأشعة الشمس، حين صاحت جدة بحفيدها كي يحترس من الشمس، فأجابها:

"أي شمس يا "أنِّيه"، والله ما هي إلا شماوس"!
سيرة ذاتية
دواوين شعرية
كتب
روايات
كتب الأطفال
ترجمات
فيديو
مدونة

 

 

تصميم واخراج بلال بصل \ تصميم الشعار موفق بصل \ جميع المواد المنشورة في هذا الموقع تعود حقوقها للمؤلف